عندما كان العلماء الفقهاء هم الموجهون أو هم الحكام كانت الأمور تسير سيرًا صحيحًا ، وعندما انفصلت السياسة عن الفكر أصيبت بالانحراف ثم بالتدمير ، وفي دول الغرب الآن نجد أن السر في قوتها »هو تكامل الفكر والسياسة ، واعتماد رجال التخطيط والتنفيذ في دوائر السياسة والإدارة على ما يقدمه رجال الفكر العاملون في مراكز البحوث والدراسات خلال اللقاءات الدورية التي تجمع بين الفريقين لمناقشة وتقويم القضايا الداخلية والخارجية ، ففي بلد كالولايات المتحدة هناك حوالي تسعة الآف مركز بحوث ودراسات متخصصة في بحث شؤون السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والتربية، لا شك إنهم في الغرب يمارسون هذه الصناعة ويشجعونها ، بل عندهم (بنوك) للأفكار ، فالذي يقدم فكرة جديدة، تخزن حتى تأخذ طريقها للتنفيذ، ونحن لم نمارس هذه الصناعة - إلا في القليل. (1) ومن أثر ذلك أن (المرء الناظر للواقع الإسلامي يكاد يقطع بأن من الأسباب الرئيسية للتخلف الفكري والمنهجي الذي تمر به الأمة المسلمة على وجه العموم،و الفئة المسلمة على وجه الخصوص، هو أننا جعلنا التفكير ورسم الخطط مهمة آحاد من الناس أما البقية فهم متفرجون ، لا يتجاوز دورهم تكثير السواد ، ولعل من أبرز مقومات النهوض بالأمة وإنجاح العمل الإسلامي أن تستحث الطاقات الكامنة الخاملة ،إلى التفكير وفق الأسس والموازين الشرعية فلأن تفكر الأمة بمائة عقل خير لها وأنفع من أن تفكر بعقل واحد) (2) .
*الاشتقاق اللغوي للتفكر:-
ذكر صاحب اللسان في مادة (فكر) قوله: «الفَكر والفِكر: إعمال الخاطر في الشيء ... والفكرة: كالفكر، وقد فكر في الشيء وأفكر فيه وتفكر بمعنى. ورجل فكيِّر. أي: فسيق. وفكير: كثير الفكر. وقال الجوهري: التفكر: التأمل. والاسم: الفكر والفكرة. والمصدر الفَكر بالفتح» (3) ،وقال في مفردات القرآن: «الفكرة: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم. والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب. ولهذا روي «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله؛ إذ كان الله منزهًا أن يوصف بصورة» (4 ) .
قال الله _عز وجل_:"أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ" (الروم:8) .