الصفحة 12 من 155

... وامتدادا لهذا الخطأ الفادح فقد انطلقت التصريحات العربية الرسمية تردد أن الدكتور كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي هو صانع المعجزات، وأنه أهل للثقة العربية الكاملة. وراحت أجهزة الإعلام العربية الرسمية تدخل في روع المواطن العربي أن أمريكا ووزير خارجيتها الدكتور كيسنجر ستحقق للأمة العربي مطلبها المرحلي الراهن في الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة، وتحقيق المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني.

... وهذا التضخيم لأمريكا والتعظيم لوزير خارجيتها، إنما يعود بالأمة العربية خمسين عاما إلى الوراء.. إلى تلك الحقبة العربية المتخلفة في أوائل العشرينات حيث سادت القيادات العربية موجة من التضخيم لشخصية الكولونيل لورنس - الذي وصف يومئذ بأنه صانع المعجزات ومدبر الحروب والانقلابات، وصديق العرب الأكبر - القادر على انتزاع الاستقلال من مخالب الحلفاء حتى أصبح يلقب"ملك العرب غير المتوج"ثم ما لبثت الأيام أن كشفت أن الكولونيل لورنس ومعه دول الحلفاء قد نكثوا عهودهم وفرضوا على البلاد العربية الاستعمار والصهيونية والتجزئة، ولا تزال الأمة العربية تئن تحت كابوس هذا البلاء الثلاثي الرهيب. ومثل الكولونيل لورنس في الماضي، فإن الدكتور كيسنجر في الحاضر قد لبس الكوفية والعقال وأخذ يصطنع صداقة العرب وينتزع ثقتهم ويمنيهم بأنه سيصنع لهم المعجزات, على حين أن المعجزة الكبرى التي يتطلع الدكتور كيسنجر إلى إنجازها هي أن يحمل الحكومات العربية على الاعتراف بإسرائيل والصلح معها والتعايش في جوارها - تلك حقا معجزة كبرى فشلت إسرائيل في الوصول إليها منذ نشأت إلى يومنا هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت