الصفحة 38 من 364

كنا ننتحي الأماكن البعيدة عن سمع الأساتذة فتتكلم خليطا من الإنجليزية والعربية، عن الوحدة السورية.. وعن حدودها من طورس إلى رفح، وخاصة أنني صرت أعرف أين تقع جبال طورس، وأين تقع مدينة رفح!!

ومضت الأيام ومن بعدها ثلاثة أعوام-حتى عام 1926-وأنا أحمد لوالدي أن أرسلني إلى هذه المدرسة، فقد أصبحت بنفسي"خلية"سرية للدعوة للوحدة العربية.. وأصبحت مدرسة صهيون البريطانية أكثر تطرفا وحماسا من المدرستين العربيتين"روضة المعارف والنجاح".

وكان الأساتذة لا يعبئون بهذه الأمور، فهم يلقون دروسهم وكفى، وفي الأعوام الثلاثة التي قضيتها في المدرسةلم أسمع منهم كلمة واحدة في الشؤون العامة.. لعلهم كانوا يخافون، لعلهم كانوا يلتزمون حدودهم في هذه المدرسة الإنجليزية.. ولعل أكثرهم كانوا من الأسر التبشيرية التي كانت تحصر تفكيرها ونشاطها في الأمور الدينية .. إلا معلما واحدا، هو الأستاذ حنا خلف، كان يحلو له أن يلقب نفسه"أبو عمر"، كان هذا المعلم من سكان رام الله (بفلسطين) وكان يعتز بنصرانيته العربية، وأهل رام الله وما حولها المسلمون، منهم والمسيحيون على السواء، يعتزون بعروبتهم، وحتى بعصبيتهم القبلية، فهذا من قيس، وذاك من يمن.. وكان معلمنا"أبو عمر"من قيس على ما أذكر..

وكان أبو عمر يجتمع بنا في ساحة المدرسة أو في ركن من أركان الملعب، يمشي إلينا بخطى واسعة شابة، وما يكاد يصل إلينا حتى يبادرنا بالحديث عن الوحدة العربية، وعن الحركة الوطنية في فلسطين، وكنت أستزيده من الحديث بسؤال من هنا وسؤال من هناك، وأنا أؤكد له مع رفاقي الطلاب، بأننا حين نتخرج من المدرسة سنعمل جيمعا على تحقيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت