الصفحة 37 من 364

ولم يكن الأمر في حاجة إلى ذكاء كثير، فقد اكتشفت أنني في مدرسة إنجليزية.. ومعظم تلامذتها من المسيحيين، وفيها القليل من الطلاب المسلمين.. وهذا ما قصد إليه والدي، رحمه الله، حين عزم على إرسالي مع أخي إلى هذه المدرسة.. فقد أرادنا أن نتعلم الإنجليزية، فقد كان يجيد التركية في عهد الأتراك، وعلينا أن نجيد الإنجليزية في زمن الإنجليز، ولكل زمان دولة ولسان!!

ومضت الأشهر الأولى، وأنا في نهم لاهب لتعلم اللغة الإنجليزية، قد كنت أريد أن أشارك الطلاب فيما يجدون ويمزحون، ويدرسون ويلعبون، وفي خافية نفسي كنت أريد أن أتحدث معهم عن القضية الوطنية.. وعن الوحدة العربية.. وليكن ذلك بالإنجليزية إذا امتنع علينا التحدث بالعربية!!

وقد أحزنني في بادئ الأمر أن والدي قد دفع بي إلى هذه المدرسة الإنجليزية التبشيرية، وتمنيت لو أني ذهبت إلى مدرسة روضة المعارف في القدس، أو إلى مدرسة النجاح في نابلس، حيث يتلقى الطلاب في هذين المعهدين ثقافة واسعة عن القضية العربية، فيخبطون، ويتناقشون، وينشدون.. وفي ذكرى وعد بلفور يضربون. وكان الإضراب عندنا من أروع الأعمال الوطنية!!

ولكني ما لبثت أن ارتدت إليّ سكينتي حين حشوت ذاكرتي بكثير من المفردات والتعابير الإنجليزية، وبدأت أحس أنني أستطيع أن أتحدث مع رفاقي الطلاب، عن الوحدة العربية، في هذه المدرسة البريطانية، وباللغة الإنجليزية.

وهذا ما كان فعلا، فقد أصبحت أتحدث مع رفاقي الطلاب في الشؤون العامة.. لعلهم كانوا يخافون، لعلهم كانوا يلتزمون حدودهم في بعض الأوقات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت