مرات ومرات ذهبت مع أهلي إلى ضواحي عكا في أيام النزهات والأعياد، لنمر بجانب بساتين التويني، وسرسق، وبيضون (من لبنان) ، وتفوح بعطر الليمون وأزاهير الربيع.
مرات ومرات كنا نذهب إلى الميناء لنرى الباخرة"سوريا"التي كان يملكها الشيخ إبراهيم العكي تمخر البحر الأبيض بين عكا وبيروت. وتحمل الأقوات والناس، ولا يسألها أحد ما تحملين ومن تحملين، من غير جمارك، ولا جوازات..ولا ويلات!!
ومرات ومرات كنا نشهد الموظفين وهم يغدون، ويروحون إلى السراي، وقد جاؤوا من كل بلاد العرب.. هذا هاشم الأتاسي (رئيس جمهورية سوريا) متصرف عكا.. وهذا رئيس محكمة الجزاء من حلب، وهذا سامي الصلح (رئيس وزراء لبنان) ولد في عكا حين كان والده موظفا في بلدتي الحبيبة .. عكا.
وما لي أذهب بعيدا، فإن عائلتي تتجلى فيها الوحدة.. لقد كان والدي في شبابه قاضيا في اللاذقية (سوريا) ، وكان عمي قاسم موظفا في جبلة وصافيتا (سوريا) وكان عمي صالح رئيس محكمة في صيدا (لبنان) ، وكان جد زوجتي واليا في اليمن.. وكذلك كان الحال مع جميع العائلات التي استطاع أبناؤها أن يتعلموا، وأن يصبحوا حكاما وموظفين.. عرب يحكمون في البلاد العربية بأسرها، ولا يقول:هذا من الأغراب، وهذا من"الأجناب" [1] .
وقد بقيت تلك الأقاصيص والحكايات معي كل عمري.. يرددها معي أصحابها كلما جاءت الظروف والمناسبات.. فما من مرة التقيت فيها"بفخامة"
(1) * الأجانب، كما يعبرون بالعامية في بعض البلاد العربية في هذه الأيام.