وأقبل الليل، ورأينا أعيان المدينة وشبابها"الوطنيين"يتجهون إلى بيت السعدي في حارة القلعة، والى بيت العكي في حارة اليهود، ليسلموا على"العائدين"من دمشق بعد أن قرروا الوحدة وأعطوا البيعة..
وجلسنا نحن الصبيان على درج البيوت: ونحن نرقب الوفود الذاهبة الايبة، الصاعدة النازلة.. والخدم أمامهم يحملون لهم القناديل الكبرة، لتضيء تلك الدروب الضيقة، تعلوها القباب الواطئة، فتزيدها ظلمة على ظلمة، وتفشي فيها الرهبة والهيبة..
ولقد انقضت أيام وأيام والمدينة هانئة بعرس الوحدة.. تستيقظ وتنام، والوحدة طعامها وشرابها، والملك فيصل سمرها وسهرها!!
أكتب هذا وأنا -في عام 1970 وأستذكر مشاعري وخواطري قبل خمسين سنة مضت، فأرى أن معاني الوحدة كانت تعيش معي، ومع جيلي بأسره، لا في مدينتي الحبيبة وحدها، ولكن في الديار السورية بأسرها..
وفي ذلك العهد لم يكن"من المحيط إلى الخليج"شعارا تردده الألسنة والأقلام، إننا لم نكن نعرف هذا الشعار إطلاقا، بل إن أحداّ لو هتف به ما فهمه أحد ولا اهتز له أحد..
ولكن الوحدة العربية كانت تعيش في حياتنا اليومية في نطاق الممارسة والتطبيق فعلا لا قولا..
كانت الحياة في صباي تحمل معاني الوحدة في جوهرها، وإن كانت غير قائمة في مظهرها.
مرات ومرات ... دخلت مع رفاقي الصبيان إلى متاجر آبائهم لأجد مظاريفهم التجارية وقد كتب عليها (عكا - بيروت) والآن أين عكا وأين بيروت !!