الصفحة 29 من 364

ومضينا في الموكب، والمرأة العجوز ماضية في استنكارها وهي"تبعبع""لا .. لا .. العساكر لا يبينون سيقانهم.. العساكر أوادم محشومين.."

ولكن"احتجاج"العجائز قد طغت عليه الهتافات القاصفة، والأناشيد العاصفة، وقد بلغ صداها بعيدا بعيدا ... إلى المزارع والحقول.

ولقد كان ذلك الأسبوع من عمري، عميقا في نفسي، رأيت فيه الشعب على حقيقته وأصالته وشجاعته، وانشَّد قلبي منذ ذلك الحين إلى جماهير الفلاحين والعمال، وكأنما كان القدر يوحي إلي بأن حياتي ستكون دوما مع الشعب، وعلى موعد مع الشعب..

وعدنا إلى عكا، إلى شوارعها التي صنع فيها التاريخ، منذ القدم إلى عهد صلاح الدين إلى عهد نابليون، وإذا بي أجدها وكأنها في عرس فريد.. كان العلم العربي بألوانه الأربعة خفاقا على المنازل، رفرافا في الطرقات والساحات.. وكانت الهتافات تلعلع في أجواء المدينة.. فلم يعد نسمع أصوات المؤذنين ولا أجراس الكنائس، وعكا مدينة المساجد الزاهية والكنائس العريقة.

وسألت: ما الخبر؟

قالوا: ألا تدري!!

قلت: لا أدري.. لقد كنا في رحلة كشفية في القرى.

قالوا:عاد السعدي والعكي من دمشق.. لقد حضروا المؤتمر السوري وبايعوا الأمير فيصل بن الحسين ملكا علينا وعلى كل البلاد السورية..

وانطلقت في الشوارع أهتف مع الهاتفين وأنشد مع المنشدين، وقضيت النهار كله، وأنا وصبيان المدنية، في الشوارع والساحات، نلهو ونلعب، ونهتف وننشد، واسترحنا من الدروس والمدرسين!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت