الصفحة 27 من 364

وتوالت الأيام وأنا أشهد توقيع الكثير من أمثال هذه العرائض.. هذه عريضة تطالب بالوحدة، وتلك عريضة ترفض وعد بلفور.. وأخرى.. وأخرى..

وكانت الحسرة تملأ نفسي.. ليتني كنت كبيرا لأُوّقع مع الموقعين، أو على الأقل ليتني أحمل هذه العرائض مع الحاملين.. غير أن مشهدا سيظل ذكراه في خاطري إلى قبري. قد سّرى عن نفسي بعض الشيء.

كنت في وسط السوق أسير في موكب العرائض إلى جانب الشباب .. حين اقتربوا من دكان"أبو عبده زيدان"من التجار المسيحيين المعروفين. وصاحوا بأصواتهم الفتية:

-يا أبو عبده أعطينا الختم، نريد أن نوقع هذه العريضة.

متقدما في السن، وكان كثير الزبائن، لما يعرف الناس من أمانته، وكان دائما يحمل"الذراع"ليقيس به القماش للمشترين والمشتريات، وقد شق عليه أن يترك"الذراع"ويوقع بختمه، كلما جاءه الشباب، وكلما حملوا إليه العرائض.. فصاح أبو عبده في وجه الشباب، ضاحكا:

-يا أولاد .. هذا هو الختم علقوه على باب الدكان بهذا الخيط، واختموا به ما تشاءون من العرائض، وأنا موافق على ما تختمون.. ولا تطلبوا مني شيئا بعد اليوم!!

وكان ذلك، فقد ختموا عرائضهم وذهبوا مسرورين، وأبو عبده ، المسيحي العربي، يبايع سليل النبي ...

هكذا دب دبيب الوحدة إلى قلبي منذ صباي، وأصبحت طالبا"وحدويا"أتحدث إلى رفاقي الطلاب عن الوحدة، مما كنت أسمعه في ديوان بيتنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت