الصفحة 23 من 364

ولقد كنت أفعل هذه الخدمات لزوارنا في الديوان لكي أصبح مؤهلا للجلوس معهم والاستماع إلى حديثهم.. فلم يكن ميسورا على الصبيان أن يحضروا مجالس الرجال!!

ورحت ألتهم أحاديثهم التهاما. أصغي إليها بكل جوارحي. وبدأت أعتبر نفسي"وطنيا"صغيرا. مستعدا لأداء كل خدمة. وللقيام بكل تضحية، إذا دعا داعي الوطن!!

وكانت الخدمة التي استطعتها حينئذ. شراء الصحف.. فقد كنت بعد فراغي من المدرسة عصرا. أذهب إلى السوق لأشتري"الكرمل"و"فلسطين"الأولى تصدر في حيفا. والثانية في يافا.

وينعقد المجلس في الديوان فيأخذ عمي قاسم أفندي في قراءة الصحف من أولها لآخرها.. والجميع منصتون، تثرثر"أراكيلهم"ولا ينطقون .. ولم يكن يضايقني منهم إلا أنهم كثيرا ما يسعلون!ِ!

وكنت استمع معهم، في لهفة وذهول، فقد كان كل شيء جديدا على سمعي وعلمي.. فها هي الصحف تتحدث عن وعود الحلفاء للعرب بمنحهم الحرية والاستقلال ... وتتحدث عن الشريف حسين. أمير مكة كيف ثار على دولة الخلافة الإسلامية.. وتتحدث عن ضباط العرب الذين قاتلوا إلى جانب الحلفاء.. وتتحدث عن الشهداء الذين سقطوا في سبيل الوحدة العربية.. وتتحدث وتتحدث..

وأذكر، وما زلت أذكر إلى يومنا هذا، وقد مضى على ذلك خمسون عاما. أن عمي قاسم أفندي قد أخذ يقرأ خبرًا أثار اهتمام الزائرين، فراحوا يستعيدونه، ورحت معهم ألقي إليه كل سمعي...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت