وصفوة الحديث الذي وصل إلى أسماعنا، أن الحلفاء قد غرروا بنا.. لقد وعدونا بالاستقلال ونكثوا.. لقد انتهت الحرب العالمية الأولى وهم يريدون الآن أن يقسموا بلادنا بينهم.. أنهم يريدون أن تكون فلسطين لليهود..
ذلك ما كانت تتحدث به المدينة شهورًا طوالا، بعد أن دخلتها القوات الهندية والأسترالية (1918) ، حتى أصبح هذا الحديث شغلها الشاغل في نهارها، وسمرها في لياليها.. وكان"الديوان"في بيتنا على شاطئ البحر، حافلا بهذا السمر..
وكنا إذا أقبل الليل، فتحنا الديوان في بيتنا وأشعلنا فيه القنديل انتظارًا للزائرين من أعيان المدينة.. حتى إذا فرغ الناس من صلاة العشاء، أخذ رواد الديوان يتوافدون .. وما يكادون أن يفرغوا من شرب القهوة حتى يأخذوا بالسمر إياه.. وأنا أجلس عند الباب أستمع إلى وحوارهم وآرائهم، الخدم يروحون ويغدون وهم يتمتمون: يا رب.. يا رب.. انصرنا يا رب على القوم الكافرين.
ولم تكن تخلو ليلة واحدة من هذه الاجتماعات في"الديوان"يلتقي فيه أعيان المدينة، ومعظمهم من المتقاعدن في عهد الدولة العثمانية.. وكنت أندس بينهم، أرهف سمعي لكل ما يقولون وأتصدى لخدمتهم، فهذا أقدم له علبة"الدخان والورق"ليلف سيجارة، وذاك أحمل إليه النارجيلة أضعها بين ساقيه وألقي"المربيج"بين يديه.. وإذا نفد"الكاز"من القنديل أحمله إلى المطبخ"لأعمرِّه"وأعود به سالما إلى الديوان، وهم يقولون:الله ينوِّر عليك يا أحمد !.