صبيان المدينة نتراكض لاهثين وراء هذه المواكب الشعبية، وقد بحت أصواتنا ونحن نصيح..
الوحدة.. الوحدة..من طورس إلى رفح..
كان ذلك في مدينة عكا، الثغر العربي الإسلامي الكبير، وكان ذلك على عتبات العشرينات، وكنت في الحادية عشرة من عمري، أو يزيد قليلا..
ولم تكن هذه الهتافات ذات معنى واضح في خاطري: فلست أدري ما هذه"الوحدة"التي كانت تنطلق من حناجرنا، بل لم أكن أدري أين طورس وأين رفح!!
وتوالت هذه المسيرات الشعبية في مدينتنا العظيمة، أسبوعا بعد أسبوع، وشهرا بعد شهر، ما نحس إلا وأنها انطلقت هادرة بهذه الهتافات، مدوية بتلك الزغاريد، فنهرول إليها من مدارسنا، لنجد أساتذتنا قد سبقونا إليها يهتفون وينشدون.
وكنا نحن نجد متعة بالغة حين نندس في صفوف الجماهير لنشترك في هتافهم ونستمع إلى أحاديثهم ومناقشاتهم. وتحولت المتعة البالغة إلى حماسة دافقة، فأصبحنا ننظم موكبًا خاصا بنا، يتقدمه عريف المدرسة، ويهتف أمامنا ونحن نردد من ورائه.
وأخذ"الفهم"يتسرب إلى نفوسنا.. فقد أصبحت المدينة تتحدث عن مشاعرها وخواطرها في البيوت .. وفي الشوارع.. وفي المنازل وفي المساجد وفي المقاهي وحيثما كان وفي كل زمان..