والأموات.. ومثل عكا كانت سائر المدن العربية في الأصقاع العربية المترامية الأطراف..
ولكن هذه الشخصية العثمانية قد أخذت تنزاح بردائها الثقيل عما تحتها، لتبدو الشخصية العربية، تحمل معها الحركة العربية، والوحدة العربية، والقومية العربية ...
كان ذلك في أواسط الحرب العالمية الأولى، وكنت إذ ذاك في الثامنة من عمري، وبدأ حديث جديد في البيوت والشوارع والمقاهي والمدارس.. عن الأمة العربية تميّزا لها عن الأمة النركية.. وإلى جانب هذا الحديث بدأنا نسمع عن مظالم الترك على العرب.. عيد الأمة التركية وإلى جانب هذا أنا نسمع عن مظالم الترك على العرب نفي رجالنا إلى أواسط الأناضول .. إصدار الأحكام العسكرية من"الديوان العرفي"على زعمائنا. بالسجن بالإبعاد، بالإعدام على حبال المشانق أو رميا بالرصاص.
وتسربت إلى آذاننا الأناشيد العربية، والقصائد القومية، في تمجيد أمتنا العربية، وسالف حضارتنا، وتراثنا.. وبدأنا نكتشف لنا"هوية"جديدة، متمثلة في قوميتنا العربية، ولكن كانت ما تزال في إطار الشخصية العثمانية .. في جوارها، لا تحت غمارها.
ولم تكن فكرة"الاستقلال"قد استأثرت بأفكارنا بعد.. وهكذا كان كبارنا، في كل مكان وعند كل مناسبة، فقد كان الناس ما يزالون، إلى ذلك العهد، يدعون للسلطان العثماني بالنصر والتأييد: وجماهير المسلمين يرددون آمين، مخلصين صادقين..
وكان التعبير الذي يتردد على الألسنة في تلك الأيام،"اللامركزية"، ولم نكن نفهم معنى تلك الكلمة، إلا أنها تقصد إلى الخير"للعنصر"العربي..