القاهرة ... ..لم يبق هؤلاء، وإنما جاء رجل واحد، هو الظاهر بيبرس، وقاد الأمة العربية من جديد.
وسجل التاريخ في ذلك اليوم أن أنطاكية قد سقطت على يد العرب فقتل من أهلها وحاميتها ستة عشر ألفا، وسبي ما يبلغ ماية ألف، بيع بعضهم في أسواق مصر،"وغنم العرب أموالا طائلة، فكالوا المال كيلا، وقد بلغ ثمن الطفل اثني عشر درهما، وثمن الطفلة خمسة دراهم، أحرقت أنطاكية وقلعتها، ولم تنهض المدينة بعد ذلك".
ومن العبارات الحلوة التي تركها لنا التاريخ عن سقوط أنطاكية بيد الظاهر بيبرس أنه بلغ من كثرة الغنائم والأسرى"أن قسمت النقود بالطاسات، وأنه لم يبق غلام إلا وله غلام" [1] .
وانطلقت البشائر تنقل النبأ عن النصر العظيم، فأقيمت أقواس النصر، وعمت الأفراح والمباهج، في القاهرة، وبغداد، ودمشق، وفي جميع أرجاء العروبة والإسلام.
وفي الثلاثين من شهر تموز، عاد البطل بيبرس إلى القاهرة، بعد هذا النصر المؤزر، عودة وادعة متواضعة من غير أن تعج بأقواس النصر أو تضج بالمواكب والهتافات، ليقول التاريخ إن الظاهر بيبرس"قد حمل عن الناس كلفة الزينة".
ويتساءل المواطن العربي كيف تم النصر في حزيران، بعد الهزيمة في حزيران ... وهذا الشهر المشؤوم لا تزال جراحاته غائرة في قلوبنا، وعاره على جباهنا.
(1) المقريزي , السلوك ,ج1 , ص568.