وكان صاحب الأمر والنهي في القاهرة في تلك الأيام الحالكة السوداء، الخليفة الفاطمي المستعلي، والوزير الأفضل بن بدر الجمال، أثبتت الأيام أن نكبة الإسلام كانت على يد هذا"المستعلي"وذاك"الأفضل".
وموجز النكبة التي تستعصي على الإيجاز أنه حين كانت المعارك الطاحنة دائرة بين العرب والإفرنج حول أسوار أنطاكية، بعث الوزير الأفضل بسفرائه إلى معسكر الإفرنج لإقامة تحالف بين الفريقين، بحيث تكون أنطاكية للإفرنج، وبيت المقدس للفاطميين!!
وقد اهتز التاريخ العربي غداة أن سقطت أنطاكية، وراح يصيح مستنكرا ومنددا بموقف الوزير الأفضل، وقال"ولم ينهض الأفضل بإخراج عساكر مصر، وما أدري ما كان السبب في عدم إخراجه، مع قدرته على المال والرجال"، ثم أردف يقول في عجب واستغراب"كل ذلك وعساكر مصر لم تتهيأ للخروج" [1] .
بل إن التاريخ قد ذهب إلى أبعد من ذلك, واتهم الخلافة الفاطمية بمصر بأنها هي التي دعت الإفرنج لاحتلال ديار الشام نكاية بالسلاجقة المسلمين الذين كانوا ينافسونهم في المشرق العربي. وقال التاريخ بأفصح كلام"أن أصحاب مصر (الفاطميين ) ,وقد رأوا قوة الدولة السلجوقية واستيلاءها على بلاد الشام ... .خافوا، فأرسلوا إلى الإفرنج يدعونهم إلى الخروج إلى الشام ليملكوها ويكونوا بينهم وبين المسلمين [2] ولو أن الفاطميين، قد ذهبوا إلى أنطاكية محاربين مجاهدين، لا مفاوضين لا خائنين ... .لو أنهم شدوا أزر القوات العربية التي كانت تتصدى للإفرنج، لأرتدت الحملة الصليبية الأولى"
(1) أبو المحاسن, النجوم الزاهرة, ج5 ,ص ص 147-148.
(2) ابن الأثير,الكامل, حوادث سنة 490 هـ.