وفي أوائل الشتاء (11 ديسمبر 1098) حين كانت الرياح الباردة تتناوح السهول السورية، اهتزت رفات أبي العلاء المعري فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة وهي تضج في قبره ... ذلك أن الإفرنج قد اقتحموا بلدته التاريخية"فقتلوا أكثر من عشرين ألف رجل وامرأة وصبي"في رواية اين العديم،"وما يزيد على مئة ألف"في رواية ابن الأثير. أما أحد المؤرخين الغربيين فقد ذكر أن الإفرنج قد أحرقوا المعرة أولا عن آخر.
وهكذا سقط شمال الشام من مدينة الله إلى مدينة المعري..
ولم يكن قد مضى على وفاة المعري، ضرير الزمان، إلا أربعون عاما. وحسنا فعل القضاء والقدر، فقد سكن هذا الشاعر المارد الجبار في ضريحه قبل أن يرى تلك المآسي الرهيبة، في بلدته الحبيبة.
وحقا كانت المعرة هي بلدته الحبية ... إنه لم يبصرها ولكنه كان شغوفا بها ... . ما يكاد يرتحل عنها حتى يعود به الشوق إليها ... ارتحل إلى الكوخ في بغداد مرة، وهاجه الحنين إليها فقال مخاطبا البرق:
فيا برق ليس الكرخ داري وإنما
رماني إليها الدهر منذ ليالي
فهل فيك من ماء المعرة قطرة
تُغيث بها ظمآن ليس بسالي
ولكم وددت، وأنا أقف على قبر المعري في صيف 1972، لو أن القدر قد أمهله إلى ما بعد غزوة الإفرنج، ليكتب للأجيال العربية"رسالة الغضب والأحزان"بديلا عن"رسالة الغفران"..حتى تعيش معنا قصائده لنرددها اليوم، ونحن نواجه الغزوة الصهيونية، وهي تتوغل في الوطن العربي.