ولعل الإفرنج قد علموا بهذا الصراع بين الملكين الأخويين، فاتصلوا بدمشق، وكتبوا إلى ملكها يطمئنونه على ملكه، وأنهم لا يريدون به شرا. واستكان إلى هذه الموادعة الذليلة ... .وما له ولإنطاكية ومن بعدها الطوفان ... .وذلك ما سجله مؤرخنا العربي حين قال"وكان الإفرنج قد كاتبوا صاحب دمشق بأننا لا نأخذ ولا نقصد غير البلاد التي كانت بيد الروم، ولا نطلب سواها، مكرا منهم وخديعة حتى لا يساعدوا صاحب إنطاكية" [1] .
وكما فعل العرب في حروبهم مع إسرائيل، فقد تخلف صاحب دمشق عن نجدة صاحب إنطاكية ... ولكن الحقيقة المفجعة أن صاحب أنطاكية نفسه- واسمه سيَّان- لم يكن قد هيأ شعبه للنضال والقتال، فقد كان ظالما مستبدا، شديد الوطأة على الرعية، حتى أن أهل"ارتاح"وهي من المدن الواقعة تحت سيادته، قد استجاروا منه بالإفرنج. ويقول مؤرخ عربي آخر في هذا الحادث"واستدعى أهل أرتاح المدد من الإفرنج، وهذا كله لقبح سيرة سيان وظلم في بلاده" [2] ومن أين للشعب المظلوم المقهور أن يقاتل، من أين للشعب الذي سلبت حريته وصودرت إرادته أن ينتصر؟
وإذا كان صاحب أنطاكية ظالما جائرا، كما رأينا، فإن أعوانه لم يكونوا يتورعون عن الخيانة، فاوالظلم والخيانة توأمان متلازمان ... .وقد لعبت الخيانة دورها في معركة أنطاكية، فحين كانت الحرب مستعمره الأوار، تطوع"الزراد"وهو قائد أحد الأبراج فأرسل إلى أمير الإفرنج يقول له وبعبارة المؤرخ العربي،"أنا في البرج الفلاني، وأنا أسلم إليك أنطاكية،"
(1) ابن الأثير, حوادث سنة 491هـ.
(2) ابن العديم، ج2، ص 132.