ودارت المعركة رهيبة من أجل أنطاكية. الإفرنج يستميتون للاستيلاء عليها، فهي باب المشرق العربي ... .والعرب يستبسلون في الدفاع عنها، دفاعا عن الوطن العربي بأسره.
ولكن العرب الذين نعنيهم هنا، هم القوات العربية في أنطاكية وما حولها. أما حكام العرب في بغداد ودمشق والقاهرة، فلم يكن الأمر يعنيهم من بعيد أو قريب ... .ولم يكونوا يقُدرون أن الإفرنج إذا اقتحموا أنطاكية سيقتحمون عليهم عواصمهم، وهم في قصورهم، وعلى الأرائك متكئين!!
وامتدت المعركة شهورا مضنية، كان يجري فيها القتال، في داخل المدينة وفي خارجها، وعلى أبراجها وأسوارها، وبين شوارعها وساحاتها، والحامية العربية تستصرخ وتستنجد، ولا مجيب ولا مجير.
وكانت حلب ودمشق أقرب الحواضر العربية إلى أنطاكية، وهما أولى بالنجدة من غيرهما.... ولكن الذين جرى أن الصراع كان على أشده بين الأخويين - العدوَّين الألدَّين: رضوان ملك حلب، ودقاق ملك دمشق، وكانت الحرب ناشبة بينهما حين وصلت قوات الإفرنج إلى أسوار إنطاكية...
والسبب في الحرب بين الأخوين، الملكين، أن رضوان ملك حلب، كان طامعا في دمشق ويريد انتزاعها من أخيه دقاق، أو كما يقول مؤرخ عربي عن الصراع، لأن"فخر الملوك رضوان صاحب حلب - كان - مائلا إلى دمشق محبا لها، ولا يختار عليها سواها" [1] .
وبسبب هذا الصراع على دمشق ... .وقف الملكان، دقاق ورضوان، يتفرجان على أنطاكية وهي تقاتل الإفرنج وحدها ... .دون أن يدريا أن القدر والإفرنج يخبئان لهما معا أوخم العواقب والنوائب ...
(1) ابن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق ، ص ص 131-132.