الزمان ، ولسبب ما، لا يعرفه إلا جوفها، كانت أنطاكية الجميلة، مصابة بداء الزلازل، تنتابها جيلًا بعد جيل، أيام الحروب والسلام على السواء، كأن بطن الأرض يحن إلى ظهرها، فما تكاد العمائر تبنى وتتسامى حتى يحتاجها زلزال رهيب، فيخرب ويدمر، ولا يبقي ولا يذر.
ومع هذا ، فإن موقعها الإستراتيجي قد أغرى الدولة البيزنطية القديمة، فجعلتها عاصمتها، تدبر منها شؤون الإمبراطورية العتيدة.
وغداة انبثاق النصرانية، وهي لا تزال وليدة في المهد، تبوأت أنطاكية مقاما مرموقا في تاريخ الإنسانية، فلم تعد كما كانت عاصمة دولة، ولكنها أصبحت"مدينة الله"كما شاع لقبها يومذاك، ذلك أن الحواريين، من تلاميذ عيسى عليه السلام، قد وفدوا على أنطاكية من فلسطين، ومن جملتهم بولس وبرنابا وبطرس، وهم المبشرون الأوائل للدعوة المسيحية.
وأعلن التاريخ ... أن المسيحية قد ولدت في بيت لحم وبيت المقدس والناصرة، ولكنها انتشرت من أنطاكية، فمنها انطلقت وامتدت ... ..
ولهؤلاء المبشرين الأوائل من أبناء فلسطين، قصة بطولية عن رحلة بحرية فدائية قاموا بها إلى أنطاكية، وسجلها الإنجيل في عبارات مثيرة تكشف عن المصاعب الرهيبة، والرياح العاتية، والأمواج الصاخبة التي حملتهم بين اليأس والرجاء، بل بين الحياة الموت، من شواطئ فلسطين إلى شواطئ أنطاكية. ومن أجل ذلك أطلق الإنجيل كلمته الشهيرة،"ودعي التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولا" [1] .
(1) سفر أعمال الرسل، ص ص 11- 26.