البادية في الشمال، حتى قال عنها العرب الأقدمون أنفسهم إنها جزيرة العرب، وقد سميت شبه الجزيرة العربية إلا في عصور متأخرة.
... وهكذا صنعتها الطبيعة عالمًا مستقلًا بنفسه، قائمًا بذاته، لا يستطيع أن يجوزها أحد، لا سائحًا ولا غازيًا، ولا عابرًا ولا مسافرًا، وأصبح شعبها فيها متميزًا بكيانه، منفردًا بأخلاقه، مستقلًا بقسماته ومقوماته، مختلطًا مع نفسه، مندمجًا في داخله، بل متزاوجًا في أهله..
... والعرب، كما يقول باحث معاصر، من أقدم الأمم على هذه الكرة الأرضية، ومن أصفاها عنصرًا، ومن أقلها تعرضا لغزو الفاتحين، وأجواء الجزيرة العربية وبواديها فرضت على أهلها حياة النجعة ارتيادًا للكلأ، وبلد
كهذا قلما يطمع فيه الطامعون، أو قلما يتمكن منه الطامعون . وقلما يخضع أهله لحكم الفاتحين .. [1]
... وعلى هذا، فبالطبيعة أصبح الشعب العربي أقدم شعوب الأرض كيانًا، وبالطبيعة أصبحت وحدته الوجودية أقدم وحدة على وجه الأرض. ولكي نفهم هذا الذي اسميه"الطبيعة"التي صنعت الشعب العربي والوحدة العربية، ليس على المرء إلا أن يضع أمامه الأطلس العالمي بالحجم الكبير .. وأن ينظر إليه كما ينظر إلى لوحة رائعة معلقة في متحف كبير.
... وسيرى الناظر، بعد المقارنة والمقايسة، أن شبه الجزيرة العربية هي الأرض الوحيدة في العالم غير متجاورة مع أرض أخرى، ولا متداخلة مع إقليم آخر، بينها وبين العالم الآخر بحار وبراري وقفار، كأنما صنعت لأهلها دون غيرهم، وخصصت لشعبها وحدهم، فلا يدخل عليهم دخيل ولا يطرق عليهم طارق.
(1) الأمير مصطفى الشهابي، القومية العربية، ص 20.