الصفحة 23 من 596

... وقال لي .. وقال لي كثيرون مثل هذه الأقوال والأقاويل وأشد منها إيلامًا وعنفا، بعضها حق، وبعضها حق يراد به باطل، وبعضها الآخر باطل ايما باطل، وسمعت ذلك على مدى سنين طويلة من حياتي السياسية، سمعته في مؤتمرات القمة وفي الشارع، في الجامعة العربية وفي الأمم المتحدة، في المؤتمرات الشعبية وفي الندوات الصغيرة, في الخطب الصاخبة وفي الهمسات الخافتة .. ولكن .. ولكن هذا كله لا يعدو أن يكون حفنة صغيرة تحت أقدام الجبل الشامخ الأشم، أو ذرات صغيرة من السحاب في الفضاء الرحيب الذي لا نعرف حده ولا ندرك مداه ..

... وإن هذا كله لن يكون أكبر من الأنهار الكبيرة، ولا أوسع من البحيرات الواسعة ولا أغزر من الجداول الغزيرة ولا أكثر من السواقي الكثيرة .. كلها ومعها أمطار السماء على مدى العام كله، تصب في البحر المحيط، ويبقى هو هو البحر المحيط في قيعانه ووديانه، وأجاجه وأمواجه، وحيتانه وأسماكه لا يتغير طابعه، ولا تتبدل طبيعته .. وكذلك الوحدة العربية كالبحر المحيط، تتدفق عليه أنهار من النقد والتجريح والتنديد، وأمطار من الاستنكار والشك والارتياب، ولكنها تظل هي البحر المحيط يستوعبها كلها.. يتبعها ويحتويها، فتتحول إليه ولا يتحول إليها.

... وهذا الشبه قديم بين الوحدة العربية والبحر المحيط، فكلاهما من صنع الطبيعة الأزلية الخالدة، تتعاقب أحداث الزمان في خضم التاريخ، وتبقى الوحدة هي الوحدة، والمحيط هو المحيط..

... ومنذ أن نشأت الجزيرة العربية، بعد انتهاء عصور الجليد، حبتها الطبيعة، بطبيعة البحر المحيط سوى أنها مصنوعة من صحارى وقفار وجبال، وتفصلها عن اليابسة الأخرى بحار من جهاتها الثلاث، وبحر من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت