... وجاءتني على أثر ذلك برقية موقعة من الأمير فيصل بنفسه، توكيدًا للأهمية، بأن ( وظيفتي أن أنفذ التعليمات، لا أن أفسرها) .. ولكني بقيت عند رأيي، وأبرقت إلى الأمير فيصل قائلًا: ( لو كنت ممثلًا للرئيس عبد الناصر في الأمم المتحدة، وطلب إليَّ أن أقدم الشكوى على الأمير فيصل لما فعلت) .. ولجأت الخارجية السعودية إلى وسيلة أخرى، فقد أخذت ترسل الشكاوي إلى القنصلية السعودية في نيويورك، وهذه راحت تتولى توزيعها بالبريد العادي على وفود الأمم المتحدة.
وشاع أمر الخلاف بيني وبين الأمير فيصل في أروقة الأمم المتحدة، ورأت (النيويورك تايمز) و ( الهرالد تريبيون) ، وهما أكبر صحيفتين في أمريكا، الفرصة للشماتة بي، فراحتا تنشران أنباء هذا الخلاف، وتشيران بأن الأمير فيصل ( سيطرد الوزير السعودي أحمد الشقري، المعروف بولائه للشيوعية، ولصداقته مع الرئيس المصري عبد الناصر) .
... وكانت دورة الأمم المتحدة تقترب من نهايتها، وعدت إلى الوطن، فاعتصم الأمير فيصل بسكينته ورباطته ولم يتخذ إجراء؛ وتولى مكتب الوفد السعودي الدائم في غيابي إبلاغ بيانات الخارجية السعودية بصدد اليمن بكل انتظام .. حتى إذا جاء الصيف التالي، وصلتني البرقية إياها بإنهاء عملي من المملكة العربية السعودية، وهكذا ( بيَّت) الأمير فيصل الموضوع معي عامًا كاملًا.
... وكان هذا الإجراء أمرًا طبيعيًا من ناحية الأمير فيصل كما كان موفقي أمرًا طبيعيًا من جانبي، فقد كان الأمير فيصل يفكر في مصير المملكة العربية وإلى جانبها تقوم جمهورية اليمن بكل ما تنطوي عليها من معان، وكنت من جانبي أفكر في المسيرة العربية في تطلعها نحو حياة جديدة ..