نيويورك 11 و 12 -8-1945
من السراب الى السراب
تميد نيويورك اليوم بأخبار التسليم، نيويورك لم تنم هذه الليلة ولا رقدت شوارعها وميادينها، ولا هدأت سياراتها الصاخبة. لقد انطلقت نيويورك بكل جوارحها ومشاعرها، فلطالما انتظرت هذا اليوم وهي مكبوتة العاطفة.
الملايين يزدحمون في ميدان"التايمز"الأكتاف بالأكتاف ، والرؤوس رصف بالرؤوس، والأقدام لواصق بالأقدام. والرجال والنساء والشيوخ والصبيان والجنود ينشدون ويمرحون ويهزجون، بالحناجر والعيون. الأوراق المذهبة تملأ الفضاء وتهوي على الرؤوس كالفراش المبثوث. المزامير بأنغامها في أفواه الوقار والصبا. الطبول الصغيرة على صدور الكبار والصغار. المصورون طائفون بالسيارات أو مطلون من الشرفات أو منتصبون على قواعد التماثيل. عصائب الشباب"عسكروا"في منافذ الطرق ومقاطع الشوارع ينتزعون الفتيات من الصفوف ليطبعوا على شفاههن القبلات، عميقة واجدة فهذه راضية وتلك متراضية وأخرى متمردة، تسمع للقبلات صفيرا وزفيرا، والفتيات صارخات أو ضاحكات، أو مستنجدات، ويظفر الشباب بالقبلات وبأحمر الشفاه. ولقد انتحيت جانبا أبصر هذه الخلائق انطلَقَتْ من عقال الحرب فأطلقت عواطفها، ووقفتُ الى جانب عصبة من مئات عصابات الشباب رصدوا شبابهم ذلك اليوم على المرح والحبور، ورأيت شابا مرصعا بأحمر الشفاه، على شفتيه وذقنه وجبينه