فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 98

وخديه، وقد آوى الى ظل دكان ليأخذ ببعض الراحة، فانتهره رفيقه ليرُدَّه الى العصبة، فأبى وهو يقول"لقد انقضت عليّ خمس ساعات وأنا على عصب رجلي، وعصب شفتي"فمضيت في طريقي وقلت: لو أن أمريكا تستطيع أن تهيئ لناسها بلوغ المتع الإنسانية وإشباع غرائزها بالآلة الميكانيكية، لفعلتْ ورضيتْ وابتهجت.

ولقد انقضى النهار كله، الليل يعقبه، وانقضى اليوم الثاني بنهاره وليله، وقد أفرغت نيويورك كل صباباتها، واستنزفت جميع خلجاتها، حتى القرار وحتى الثمالة. وقد ضجت أجواؤها بأبواق السيارات، أقامت عرسا في الأرض وفي السماء، ولكن الروح اليقظة الشاعرة الحية لا تغفل أنْ ترى وراء هذه الكتلة البشرية الضاحكة مئات من البيوت يخطر فيها الحزن الهادئ المقيم، وآلافا من الأمهات والشقيقات والزوجات والخاطبات والعاشقات والرفيقات والصديقات حركت فيهن هذه المهرجانات لواعج الأحزان ومواجع الذكريات، ومنهن من لا ترى في النصر نصرًا لآمالها، ومنهن من لا ترى في السلام سلاما لأفئدتها، ومنهن من تُسائل الحربَ وأهدافها: هل ذهب الأعزاء والأحبة، كما مضى الذين من قبلهم من غير عوض للإنسانية أو تأييد لمثلها العليا؟ وحين أويت الى غرفتي أنصت الى الراديو يتكلم من خلاله أديب مرهف الحس، أذهلته ويلات الحرب وما التهمت من زهرات الأجيال، فبكى لشبابها الغض، وعزّى الأقرباء والأصدقاء ، ورأى في الويلات كلها سبيل الراحة للأجيال المتمخضة في صدر الغيب المقبل. وما أجمل الرؤى ولكن ما أمرّ الخيبة عند اليقظة. وما أجمل السراب، ولكن ما أسوأ العقبى حين ينقلك السراب الى سراب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت