وحول الظهر فاجأنا بعض"الأمريكيين"المنحدرين من أصل عربي من أهالي فلسطين بزيارة كريمة، ودعونا الى طعام عربي أو سوري"كما يريدونه"فالتفَّ من حولنا بعض العرب، ودوّت اللغة العربية في قاعة الطعام، وتراشقنا بالنكات العربية، ونسينا لساعة من الزمن أننا بعدنا عن الوطن قريبا من خمسة آلاف ميل مقيسة بالهواء. ولكن عاودتنا وحشة الاغتراب، وإذكِّار الأهل والأصدقاء،حين عدنا الى الفندق. إذ سرعان ما سمعنا اللغة الإنكليزية، من الأفواه الأمريكية، بين مد وقصر، وابتلاع لبعض الأحرف، وإشباع لبعضها الآخر، وغُنّة وإمالة، بين المقطع والمقطع، حتى خلتني في حاجة الى تعلم هذه الموسيقى، قبل الشروع في تأسيس المكتب العربي.
وخرجت في المساء لأرى هذه المدينة العظيمة، فإذا بالخلائق تملأ الميادين، وإذا بالشوارع تعج بالأمواج البشرية الهادرة، تسير في كل طريق وفي كل جهة، الى السينما والملاهي والمطاعم. إنه سيل لا ينقطع، سيل من كل مكان والى كل مكان، وتساءلت: من أين اندلعت هذه الجموع؟ وكيف تكاثفت؟ من أين تجيء وأين تذهب؟ ولو وقفت في أي نقطة من هذه المدينة فلن يتيسر لك أن ترى"مصدر"هذه الأمواج البشرية، إلا إذا أشرفت عليها من الجو، ومن الجو البعيد.
ولقد وقفت برهة أتأمل هذه الحركة الذاهبة الآيبة ، الذاهية الآبية، من الشباب والرجال والكهول، جميعهم في أحسن زينتهم وملابسهم ملأوا الأفق أريجا وعطورا، جميعهم منصرفون الى المرح والحبور، الى الضحك عاليا وهاديا الى الحركة رشيقة وعنيفة، لا ترى وجها عابسا متجهما، أو بصرًا شاردا مؤملا. ولست ترى نفوسا تفكر في غدها أو أمسها، قريبا أو بعيدا.