نيويورك 3-8-1945
في نيويورك
استيقظت في هذا الصباح لا كما ألفت وعهدت، فقد رأيت نفسي في الغرفة السابعة والثمانين بعد الألف، في الطابق السابع عشر من اوتيل اديسون من مدينة نيويورك، وما تزال فوقي عشرات من الغرف يصعد المصعد إليها متواضعا وهادئا.
نزلت الى المدينة وقضيت ساعة أو بعض ساعة مشدوه البصر في هذه العظمة والفخامة. وفي هذه المدينة عشرات الميادين نصبت فيها عشرات التماثيل وسط الحدائق والمروج، وقد مشى فيها من الخلائق من مشى، ووقف من وقف، واضطجع فيها من اضطجع، شبابا وأطفالا وكهولا، رجالا ونساء كلّ يعمل على شاكلته، ويأخذ بمتعته، لا يثير التفاتا من أحد، أو استهجانا من أحد. وحين عدت الى الاوتيل بين العمارات المتناطحة وقفت الى جانب واحدة منها أحاول أن أبلغ ببصري أعلاها فَخُيل إلي أن رأسي قد دار حول كتفَي، وأن كتفَي قد أخذا يميسان في الهواء، فأمسكت عن المحاولة وقنعت بما رأيت.
ولما وصلت الفندق اتصلت تلفونيا من غرفتي بالمفوضيات العربية بمدينة واشنطن، وكان لا بد لي أن أستعين بدليل التلفون فإذا به بضعة مجلدات تضم الورق الرفيع، عُبئت فيه الأحرف الدقيقة تعبئة كثيفة، ولم يكن ذلك للدولة كلها، ولا للولايات التي تتألف منها الدولة، وإنما لمدينة واحدة.