والرهبة. والرحلة تستغرق ثلاث عشرة ساعة متمادية [1] ، وقد توسطتها عاصفة مدلهمة رجرجت الطائرة من غير رحمة أو رفق. وأنذرنا الضابط بأن نأخذ الحذر لأنفسنا فزاد ذلك من دهشتنا وخوفنا. حين رأينا الجنود العائدين من ميادين الحرب يقطبون جباههم، وقد غاضت أشواقا للأهل والوطن، فقد ازدادت مخاوفنا، وطافت نفوسنا مذعورة في كل مجالات الفكر وآفاق الزمن. هنالك انقطعت أسباب المرء بالقدرة الإنسانية، فانخذلت شجاعته وانصهرت ذاتيته وأنانيته، ولم يجد ما يهدئ الروع إلا أن يسترخي في أحضان العناية الإلهية، وأن يستسلم للمشيئة القاهرة الحافظة. ثم بعث الله سكينته فزالت العاصفة، وعادت إلينا إنسانيتنا الناسية الجاحدة. وبلغنا أرض المطار في"برسك"وهي قرية في أطراف الحدود الشمالية للولايات المتحدة، وكنت أتمتم بالشعر خافتا باسما، فسألني أحد الرفاق أشعر بعد هذا؟ قلت شعر وأوحته الطائرة:
أنل قدمَيَّ ظهر الأرض إني
رأيت الأرض أثبتَ منك ظهرا
وصلنا القرية، ووصلت معنا إنسانيتنا العابثة الواثقة، وذهبنا الى فندق عسكري وقد كانت الساعة السادسة صباحا. الناس يكادون ينهضون من نوم عميق، ونحن نحاول أن ندخل هذه الأجسام المجهدة في غلالة النوم نصطنعه اصطناعا، ونستدعيه بكل حيلة ووسيلة، ولو لساعة أو بعض ساعة.
(1) * متصلة بلا توقف أو انقطاع [ المحرر ] .