فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 98

تصب من عقله شيئا. نعم إنّه أمريكي ولكن ما أجمل هذا الشباب، وما أقوى هذا الشباب، وما أعظم هذا الشباب. هذا العظم الصليب، وهذا الوجه الأسمر مرصع بالعيون السوداء، ترسل الشعاع نفاذا أخاذا، وهذا الشعر الأسود الأدكن يطل على جبهة تشع بالحزم والعزم. لله هذا العربي، بل لله هذا الإنسان الكامل. الدم العربي والسمت العربي تزينه الجندية المدربة.

وإنّ هذا العربي ليقدم دليلا على الاستعداد القومي الكامن في كل عربي، ومن يدري فلربما ظل فلاحا جاهلا فقيرا مريضا، أو انقلب مجرما يقطع الطريق ويستبيح الدماء، بل لعله أصبح عالة على المجتمع، لو أن أبويه بقيا في الوطن القديم، لا ينعم بعناية الدولة، وتدريب الدولة وجميع الفرص التي تفجر المواهب وتوجه الإبداع. وإنّ ملايين من شباب العرب ومن الذين يعيشون تحت كل سماء وكوكب، من الخليج إلى شواطئ الأطلنطي تكمن فيهم القوة والاستعداد الفطري، وتنطوي فيهم جميع المواد"الخام"التي تتألف منها شخصية هذا الشاب السوري الأمريكي. ولو أن هؤلاء الملايين من شباب العرب قد شملتهم رعاية دولة واحدة في هذا الوطن العظيم لأمسكوا بزمام العظائم، وانتهت الى أيديهم مشاعل الحضارة والعرفان، يرفعونها عالية وكريمة. وما أعظم هذه الصورة وما أكرم هذه الأهداف.

ولقد عدت ولقيت الشاب الأمريكي السوري مرّة أخرى في أرض المطار وحين كنا ننتظر الطائرات التي تقلنا الى جزيرة"برسك"في شمال الولايات المتحدة، وكان لقائي إياه قصيرا هذه المرة. كان لقاءً خاطفًا حقًا، ولكنه بسط أمامي ذكريات امتدت عشرات من السنين في تاريخ الأمة العربية، وأبرز حقيقة واحدة تقع في سدرة المنتهى من حياتنا السياسية وهي أن الحكم الوطني، الفاضل العادل، هو وحده الذي يصهر معايبنا، ويهذب من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت