فوق الأطلنطي 1/8/1945
حقائق وأحلام
نهضت هذا الصباح فعادت إليّ الصور المترادفة عن يقظاتي في المعتقل وطاف في نفسي ذكر الرفاق القدماء من مدمني الاعتقال ومرتادي السجون، ولم أفطن لحاضري إلا حين أمعن إخواني الثلاثة في الشخير المتنافر، رقة وخشونة، علوا وهبوطا، وهم يبثون من خلاله شكوى الجهد والإرهاق. وخرجت في الصباح أجيل بصري في الجبال المحيطة بنا في هذه الجزيرة التي يقطنها بعض مئات من البرتغال. وأبصرت بالأطلنطي يحتضن هذه الجزيرة، ولكنه ما زال منذ القدم يضربها بأمواجه، ويظللها بغمامه، ويشدد الطوق من حولها، وينتقص من أطرافها، ويأكل نواتئها، ويخلع عليها الفقر والفاقة حتى أعياها الكفاح الأزلي المتواصل. وبدا الأطلنطي من حولها وقد مل الصراع فتهادنا وتصالحا، فكانت جزر"الخالدات"وكان صلح وكان سلام.
وفي عصر النهار ظفرت بضابط أمريكي يلقي إلينا السمع ونحن نتحدث بالعربية فأقبل علينا بجميع زيه العسكري وبعض كلماته العربية، فإذا هو سوري من أسرة صعب، من قرية حول زحلة، وإن كان يصر أن اسمه"سيب"وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وضعته أمه في الوطن الأمريكي، يتكلم اللهجة الأمريكية بمدها وقصرها، ورناتها وغناتها، ويفكر بالتفكير الأمريكي برشاقته وبداهته، وإن كانت المتناقضات الأمريكية لم