فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 98

الأزل، الحائمة في الأبد، كثيفة هنا شفافة هناك، ضاربة في السماء، هابطة الى البحر، ممتدة في الآفاق منبسطة في الفضاء، بكل الأشكال التي تعرفها حركة الخطوط وانطلاقة الخيال، من غير تشابه أو اتساق، حتى يبدو أن كل غائمة قد أفلتت من يد الوجود على غير نظام أو هدف.

وهبطنا أرض المطار فإذا بالدنيا ماطرة، والجو مبتل رطيب، فأخذنا نضم معاطفنا الثقيلة الى أجسادنا، وكنا الى يوم واحد فقط، في تونس وغيرها، نود لو نستطيع أن نتسلل من جلودنا حين ألهبنا الحر.

وحملتنا سيارة الى (براكة) [1] في المعسكر نقيم فيها ما شاء الله حتى يأتي دورنا في طائرة أخرى تقصد الولايات المتحدة.

وتعيد هذه البراكة الى ذاكرتي"البراكة"التي استضافتنا بضعة أشهر حين اعتُقلتُ مع المئات من المواطنين عام 1937. وليس بين البراكتين فرق كبير، فبراكتي الآن فيها أسَّرة نظيفة، مبطنة جدرانها بما لا ينفع معه البرد والحر، مفروشة أرضها بالخشب دفعا للرطوبة، منورة بالكهرباء، يتوفر فيها الماء ينساب الى كل المرافق. أما براكتنا القديمة فهي براكة وكفى، ولا بأس أن تكون محرومة من جميع المزايا التي ذكرتها، فللقديمة على الحديثة أفضال ومزايا، منها كثرة المجرمين النازلين فيها ممن عجزت العدالة عن الاقتصاص منهم لفقدان الدليل، فرأت السلطة أن تزجهم في براكاتنا مبالغة بالنكاية بنا، وبالحفاوة بأولئك المجرمين.

(1) * البراكة أو البراكية مستودع واسع نسبيًا يبنى من الزينكو ( الصفيح ) وغالبًا ما يكون في المزارع والبيارات، ويتسع أحيانًا للدواب ومستلزماتها من تبن وأعلاف، ومستلزمات زراعية من أدوات الحراثة والمنتوجات.. إلخ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت