فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 98

وفي الطائرة فاجأنا جندي بتقدمة لطيفة: هي علبة جميلة تزيد على راحة الكف قليلا، ألقاها الجندي وتكلم كلاما جعله ضجيج الطائرة غير مفهوم فآثرت أن أنقذ نفسي بالتقليد مرة أخرى لأدفع آفة الجهل والسخرية.

والتفت الى جاري فإذا هو يفتح العلبة ويخرج منها علبا صغيرة متفاوتة الحجم هذه تحتوي السكر، وهذه تحتوي الخبز، وهذه تحتوي الجبن، وهذه تحتوي أربع سجائر، وهذه تحتوي حلوى، وهذه تحتوي لحما، وهذه وهذه، يؤلف ذلك أجمعه طعاما صحيا كاملا ولذيذا. إنها علبة صغيرة حقا، ولكنها صنعت بالملايين، وانتقلت الى معسكرات الدنيا، فأنتجها الملايين، واستهلكها الملايين وهنا أصغر الدلائل على نهضة الأمة وعظمتها. فالتفت الى جاري الأميركي وقلت له ليست هذه علبة وإنما مطبخ سيار، ولكنه سخر من دهشتي وقال: إنك واجد في الطائرة كل شيء فاطلب أي شيء. وكدت أن أطلب شيئا، حتى لقد بلغ هذا الطلب أطراف شفتي ولساني، غير أنه التمع في ذهني، بسرعة الوميض وفجأة الخاطر، أنّ هذا الطلب الذي أمسكت به شفتاي إنما يستجاب بزوال هذه الرفاهية الناعمة وأمثالها من الرفاهيات التي تستمتع بها الشعوب الكبيرة، وكان الطلب الذي أوشكت أن أساله في هذه الطائرة الحرية، الحرية لا تظلم أحدا، ولا يظلمها أحد.

وحين أشرفنا على جزر الخالدات (الأزور) أخذت الطائرة تدنو من سطح الغيوم، والدنو هنا يتم بالهبوط لا بالصعود والقرب من هذه الغيوم التي افترشت مكانها في الآفاق يقضي بأن تهوي الطائرة قليلا قليلا بين أحضان الفضاء. فأخذت الطائرة تهبط رويدا رويدا، ونحن نقترب من هذه المشاهد العجيبة تزيدها أشعة الشمس بهاء ورواء. ولقد مررنا في جيرة هذه الغيوم حتى يكاد المرء أن يدُسُ يده في غلالات هذه الحياة الهائمة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت