فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 98

الخيال عن إبرازها بالروح والجسم فلا يعجز إن ينزلها بين حروف الهجاء وقوالب الألفاظ. وستظل هذه الصورة لوحة فنية رائعة، يراها كل عربي بفؤاده، وان لم تخضع لقرطاسه ومداده.

وفي الظهيرة تلقينا النبأ للاستعداد الى المطار، فعادت إلينا حُمّى السفر وهيبته، وأسرعنا الى المطار وأنجزنا معاملات السفر، ثم دعانا ضابط الى غرفة المحاضرات فإذا بنا نستمتع الى حديث عن سبل الوقاية إذا طرأ ما يحمل الطائرة على الهبوط في الماء. فتكلم المتحدث بجد، وأصغى المستمعون بجد ولأمر ما لم أكن مكترثا ولا سميعا. وانصرفنا إلى الطائرة نأخذ أماكننا ولم يبدُ على أحد أي تردد في السفر، وخُيل إلي أن في قلب الإنسان الى جانب الزاوية التي يستقر فيها الخوف زاوية أخرى تعيش فيها المغامرة والمجازفة.

ولعل شعوري بقلة الاكتراث سببه ظني أنّ الأمر سيكون محاضرة، وكفى الله المؤمنين. ولكني دهشت حقا حينما تقدم إلينا ضابط الطائرة، يأمرنا جميعا أن ندرع بجهاز الانقاذ، فارتبكت وندمت أني لم أُصغ للمحاضرة ولا عرفت كيف يُلبس، وخُيّل إلي أني سأسقط في الامتحان،تمهيدا للسقوط في الماء، غير أني حاكيت وقلدت، فلبست كما يلبسون. ورأيت جماعة المسافرين ينصرفون الى كتبهم يلتهمونها، والكتب زادهم في السفر، أما أنا فرجعت الى مذكراتي وأخذت أكتب وأكتب، لا يشغلني إلا منظر آفاق الغيوم من تحتنا، تنعقد فوق سطح الأطلنطي، أخاديد وجبالا، ووهادا وسهولا، يتصل كل ذلك بأفق السماء، وتسطع الشمس فتبدو كأنها أصبحت عهنا منفوشا. وهناك يهبط الرشد والتقوى بصمت وجلال، ولا يبقى غير وجه ربك ذي الجلال والإكرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت