فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 98

وخرجت بعد ذلك الى المدينة أطوف شوارعها وميادينها وأستمع الى ناسها، ووددت لو يفسح لي الوقت لدراسة أكثر عمقا وتحقيقا، ففي هذه البقعة يقرأ المرء صفحة من صفحات الاستعمار الإفرنسي الملطخ بالعار الأبدي. وهاأنا أرى المدينة قطعة مختلسة من الشاطئ الإفرنسي أو كأنما اتصلت اليابسة باليابسة فلصق الشمال الافريقي بشاطئ فرنسا الجنوبي , فتشابها وتشاكل الأمر.

وهنا لا تسمع إلا اللغة الإفرنسية من المواطنين والافرنسيين، ولم يبق للوطنيين إلا الأزياء المهلهلة والأعمال الحقيرة. وكنت حين أقرأ أن زعماء فرنسا قد اعتزموا أثناء الحرب أن يناضلوا من شمال إفريقيا لا أدرك باحاطة شاملة كيف يقاتلون من إقليم أجنبي في شمال افريقيا، ولكنني بعد الذي رأيت في الدار البيضاء أيقنت أن ذلك لا يتعدى انتقال حركة الحرب الافرنسية من إقليم فرنسي الى إقليم فرنسي كما كاد أن ينقل الحكم الروسي من موسكو الى"كويشيف"أثناء هذه الحرب.

وحين يبلغ المرء الدار البيضاء يكون قد قطع أفريقيا من الشرق الى الغرب، في خلال أربع وعشرين ساعة. ولقد وقفت على شاطئ الأطلنطي أفكر في هذا الخطف العجيب يحمل امرءًا من القاهرة مساء ليكون مساء اليوم الثاني في الدار البيضاء، ينعم بالنسمات الوادعة أذ يرسلها المحيط الرهيب.

ولم يكن هذا الخاطر يثنيني عن إكبار الحملة العربية الكبرى قبل ثلاثة عشر قرنا وقد قطعت الفدافد والصحارى، والوهاد والأنجاد، ثم ضربت سهمها في أحشاء أفريقيا الشمالية، وراح هذا السهم ينحني ليخترق أسبانيا وجنوب فرنسا، وعلى أنوار هذا الخاطر تنعكس صورة جميلة، لئن عجز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت