فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 98

ومطارات، مرصعة في الصحراء، وعلى مقربة من المدن، آخذة بالنمو والازدياد. هنا في مواطن العرب مطارات تنشأ وتبنى، وأنا ذاهب لأنشئ مكتبا عربيا في واشنطن، أُحرِّك فيه لساني وقلمي، أنا أعنى بالكلام ليسمعوا، وهم يمضون في إقامة القلاع والحصون لنتفرج، فأين نلتقي وكيف نلتقي، ومتى نلتقي، إذا ما مضينا في إنشاء المكاتب، ومضوا في إنشاء الحصون والقلاع. لعل الأجيال القادمة تجد لنفسها الجواب، فقد التمسته فما وجدته، ولست أبغي أن أكذب نفسي وقومي.

ومضت بنا الطائرة ثلاث ساعات أو تزيد نقصد الى وهران وقد امتدت من تحتنا المزارع والإقطاعيات الكبرى منتشرة في الأرض الرحبة، ومن حول وهران الكروم والزيتون والزروع، كل ذلك في تنسيق عجيب، والمنازل الريفية تتصدر المزارع وقد ازدانت بالبساطة والجمال.

وليست هذه المنطقة مدينة كبيرة مزدحمة، ولا هي مجموعة قرى زراعية متجاورة، ولكنها إقليم بكامله مرصع بالمزارع المتباعدة، تربطها الطرق والمعابر من كل جهة الى كل جهة، ولا يقوم في المزرعة إلا بيت أو بيتان. وهذه المنطقة الواسعة عالم رحيب من هذه الإمارات الزراعية، تشبه إقطاعات القرون الوسطى.

وهكذا فقد زالت معالم العروبة من هذه البقاع الفاتنة، وليس يبرر هذه المظلمة الفادحة أن الأرض قد عمرت بالكروم والأشجار، فإن كل كرمة، وكل شجرة قد أغمدت جذورها في فؤاد شهيد، أو صدر قائد صنديد. ولم أمسك نفسي عن التمادي في هذه الشجون إلا حين هبطنا المطار لتقلنا طائرة أخرى تحملنا الى الدار البيضاء، فبلغناها أوائل الليل في جو منعش لطيف، يعقد الكرى في الأجفان، ويسبغ الهدوء والسكينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت