سماءين متباعدين، اتصلت آفاقهما بين أحضان الهدوء والسكون وتناولت قلمي وورقي لأكتب وقائع اليوم، فالتمع في خاطري أن الإنسان في هذا الكون العجيب نقطة هندسية لا طول ولا عرض ولا عمق لها، وأن هذا الإنسان، وإن استفتح كثيرا من مغلقات الدنيا فسيظل، مهما استفتح ومهما استكشف النقطة الأولى، في الألف الأولى، من الدنيا، ومع هذا فإنّ، تلك النقطة لا طول لها ولا عرض ولا عمق.
وظلت هذه الخواطر تنتابني حتى هبطت الطائرة في تونس، فإذا بها رقعة من اللهب، لا ينفع فيها ظل ولا شراب. وفي هذا المطار رأيت كثيرا من الفتيات اليهوديات يعملن في الأعمال المختلفة، ولم يتيسر لي أن أكاشفهن حديثًا بريئًا أو خبيثًا، ذلك أن الجنود قد ضربوا حولهن ذراعي كماشة شراء ودعابة، ولم يكن في مقدور المدنيين أن يخترقوا هذا الطوق.
وعقب الظهر امتطينا طيارتنا نستهدف"وهران"فأشرفنا على جبالها ومروجها، ولم تكن هذه المرحلة من السفر مريحة فهي مفاجآت بين الهبوط والارتفاع، بين الجفاف والرطوبة، بين الحرارة والبرد. أضف الى ذلك أن إعصارا قد هب علينا بعد مغادرتنا تونس، فصهرنا حَرُها وأرهبنا إعصارها، وكم لقيت تونس من نار الظلم وإعصار السياسة. وكنت كلما طفرت بالحرّ أعزي نفسي بهؤلاء الجنود ناعمي الجلباب، غضاض الإهاب، ذوي الوجوه الشقراء والعيون الزرقاء، رجالا ونساء، بل كنت كلما تخيلتهم على ظهور الدبابات ووراء المدافع يدفعون حمما ويلقون شواظا من نار، في الظهيرة اللاهبة من اليوم اللاهب، رجع إليّ صبري وارتد إليّ عزمي.
ولكن خاطرا واحدا أقضَّ مضجعي لم أجد له تعزية ولا تسلية، ذلك أن
هذه الرحلة كلها، من البحر الميت حتى شمال إفريقيا قد كشفت عن مطارات