فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 98

حين طلب رفاقي طعاما. فقال لي: أحسنت فيما طلبت من الشراب، لأن الطعام ليس جيدا. فقلت في نفسي هذه أول طلائع الدس. ولكنه دس ماكر، ولست أدري أنصحني أم نصح صاحب المطعم، أم خدعنا نحن الاثنين، فقد يكون الشراب أسوأ من الطعام. ورأيت أن أقابله بدس آخر فسألته: ألا تذهب الى فلسطين؟ قال: ومن أين لي، ليس لدي جواز سفر!! فقلت له لعلك تجد وسيلة ما، وأنت الآن في أرض المطار. فجحظ في وجهي فلم يجده ينم عن الجد، فمضى ومضيت.

أما الثاني فقد حشر نفسه في"كشك صغير"أتخمه بالكتب والجرائد والمجلات. ومن فضول القول، أو من لزوم ما لا يلزم: أن اقول أنه يعمل صرافا أيضا. وقد اقتضاه عمله في المطار أن يعرف اللغات كلها، فهو يعرفها كلها ما عدا اللغة العبرية لغة آبائه وأجداده، فهو يوقن أنه لا يحتاجها في عمله، إذ ليس يعقل أن يقصده يهودي يصرف، فالصراف لا يقصد صرافا، وأيهم ليس بصراف. فمكرت لهذا الشاب أيضا وقلت له: إني بغدادي. فسألني عن تل أبيب، فقلت له: لا أعرفها، وأن كنت قد سمعت بها. ثم سألته عن إقامته في طرابلس فقال: إن فيها مولد أبيه وجده الى آجال. قلت له: أي البلدين أحب إليك؟ تل أبيب، أم طرابلس؟ ولكن الشارين والمتفرجين قد أحاطوا حينئذ بالكشك الصغير وهموا بالشراء فانصرف هذا اليهودي الى البيع والمساومة وكفى نفسه عبء الجواب. ثم صاح بنا ضابط الطائرة فهرولنا إليها لتحملنا الى تونس فجالت وصالت ثم اقتحمت طريقها فوق البحر المتوسط لتقطع ذلك الخليج الجميل، من غير مجاملة ولا مهادنة، فأخذت ترتفع في أجواز الفضاء. فوق الضباب والغمام.

هذا البحر من تحتنا أشبه شيء بالسماء أو هو السماء، وتجلت الطائرة بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت