الدار البيضاء 30-7-1945
إلى الدار البيضاء
لقد طال انتظارنا أن ينجلي الضباب عن المطار في طرابلس وأنا أعلل نفسي أن أطوف بالمدينة قدر ما يجود الوقت، حتى لقد رضيت أن تحملني إليها سيارة فَنَدورُ من حولها ونجوس خلالها وكفى. ففي ذلك ما يبل جانبا من الشوق، ولكن هذا الضباب قد حرمني هذه الصبوة.
وقبل الظهر امتطينا الطائرة الى طرابلس بعد أن أيقنا انكشاف الغمام وما هي إلا فترة حتى جالت بنا الطائرة في سماء هذه المدينة، فأشرفنا على زروعها المترامية ونخيلها المنظم، ومنازلها المبعثرة ، فثارت في نفسي ذكرى مرابع دمشق وغوطتها، لولا أن النخيل هنا قد أضفى على المدينة لونا عجيبا من الجلال والجمال. ولكن غوطة طرابلس، وإن بعثت الفتنة فانها تثير الحسرة واللوعة، فأن أكثر هذه الزروع قد خرج من أيدي العرب. ودعوت الله أن يكون ذلك الى حين، وحين قريب.
وفي محطة المطار لقيت شابين يهوديين أحدهما عامل في المطعم والثاني بائع جرائد ومجلات، وكلاهما من أهالي طرابلس. أما الأول فقد سمعني أكلم رفاقي بالعربية فسألني إذا كنت عربيا. فقلت نعم. فمد رأسه من وراء حاجز المطعم وقال بالإمالة والغنة اليهودية المعروفة: أنا يهودي . فأردفت أني عراقي من بغداد. ثم مضى لبعض شأنه. ولكنه عاد إلي وأمطرني أسئلة أخرى. فأجبته بلا ونعم. ثم لا حظ أني طلبت شرابا على