ركبنا الطائرة المائية من قاعدتها في البحر الميت، وكانت أول خبرتي بركوب الطائرة من قواعد الماء واليابسة على السواء، ولعل المستقبل يطالبنا بقواعد في الهواء، وكدت أن أكون راجفا واجفا حين رأيتني اجتاز متون الفضاء، والتمست شجاعتي أبحث عنها في أعماق نفسي، وأوشكت أن تخونني لولا أني رأيت بعض السيدات والأطفال يقتعدون أماكنهم برصانة، وهدوء، فقعدت وتصابرت ومن الجو شهدنا رقعة الوطن بكامله، شهدنا بقاعا لم يكن قد وقع بصرنا عليها وإن كنا فيما مضى قد ضجِرْنا من مشاهدتها على الخرائط والأطالس بالألوان والرسوم، وأخذت الطائرة تختال بنا بين أطباق الفضاء كأنها تدل بسيطرة العلم وجبروت العقل. وفي مكان ما من الجو استطعنا أن نرى في خفقة واحدة مغارب البحر الميت ومشارق البحر المتوسط، وهذان هما الحدان للقطر الذي يراد له أن يكون دولة مستقلة، تجمع ببصرك مشرقها ومغربها في وقت واحد، ومن مكان واحد.
أما مشهد زروع النيل المطرزة على الأرض، فبالغ حد الإعجاز في الروعة والفتنة، وهذه الصحارى المحيطة بالزروع الجميلة تبدو كأنها فاغرة فاها، لتبتلعها وتعيدها الى قديم عهدها بالصحراء..ولم تنقض ساعتان على ركوبنا الطائرة حتى هبطنا مطارًا في النيل. وأكبر ظني أن أصدقائي في فلسطين، وقد حسبوا السفر من محطة اللد، كانوا في تلك اللحظة يغدون ويروحون على رصيف المحطة ليودعوا راكبًا قد انتهى الى مقصده منذ زمن.
وكانت إجراءات الدوائر المختلفة لدخول القطر المصري آية في اليسر واللطف لولا ما لقينا من الموظف المختص بمراقبة الكتب والمطبوعات، فقد وقعت يد هذا الموظف على كراريس وتقارير رسمية عن