القدس -القاهرة 26-7-1945
من البحر الميت إلى النيل
نهضت هذا الصباح تجتاحني خواطر السفر تغشاها حُمَّى السفر، فنحن نتهيَّب الأسفار البعيدة، ذلك أننا لم نألف أن نرى الدنيا صغيرة متقاربة على حين أن الرجل الأجنبي يطوف العالم كأنه يؤدي عملا عاديا لا يحس فيه جهدا أو رهقًا، وقد قضيت هذه الليلة يقظان نائما، وأنا أستعرض مراحل هذه المهمة الشاقة التي أستقبلها بعزم وهيبة.
وحول الظهر ركبنا السيارة الى البحر الميت، فأخذنا نهبط من مشارف القدس إلى أغوار"الغور"تلهبنا الرياح المحمولة على أكف الوهج والوقد؛ ولكنني رددت جناني إلى الصبر والجلد حين تساءلت: كيف تكون حالي لو أنني مواطن في دولة حرة فأُدعى إلى الجندية، وأحمل سلاحي وعتادي وطعامي بين هذه الأخاديد يجري فيها اللهب ؟ وهكذا تصابرت وسكت حتى بلغنا شاطئ البحر الميت.
وكنا في طريقنا نشاهد السيارات الكبيرة تحمل وسوق المعادن المستخرجة من البحر الميت، بعد أن بقيت في جوفه أجيالا. حقا لقد كان البحر ميتًا وإنه من الإسراف في الظلم أن نسميه البحر الميت، وهذه المعادن الحية تخرج من جوفه الأبدي، فتبدو خصائصها في الحياة والموت.