بل: لا أصل له كما قدمنا.
وإنما اخترعه صاحب الإشكال في مخه، ليفسد قول الداعين إلى توحيد المسلمين في الصيام والإفطار. ولم يكن له ورع يمنعه من نسبته إليهم وإلزامهم وهم بريئون منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
العاشر: إنه على فرض الاعتبار في الأحكام الفقهية وأسبابها، فإيراده على الوجه الصحيح هنا أن يقال: إذ رؤي هلال رمضان في المشرق، وجب على العامل برؤيته: أن يعتبر نفسه في تلك الساعة التي هي الساعة الثالثة بعد الظهر أنه رأى الهلال كما رآه أهل المشرق.
وحينئذ لا يجب عليه الصيام في تلك الساعة، لأن المقرر في علم الفقه: أن رؤية الهلال نهارًا تعتبر لليلة المقبلة ...
قال العلامة الشيخ خليل في المختصر: (ورؤيته نهارًا للقابلة) . وبناء على ذلك يصوم المغرب مع المشرق في اليوم التالي للرؤية هذا هو الاعتبار الصحيح الذي عمي على صاحب الإشكال، فلم يهتد إليه لتعصبه الشديد ولدده في الخصومة.
الحادي عشر: قدمنا أن المشرق يسبق المغرب في الشروق والغروب بساعتين، وأن يوم الخميس مثلًا في المشرق هو يوم الخميس في المغرب، غير أنه يبتديء وينتهي في المشرق قبل المغرب، فإذا رؤي بعد غروب شمسه في المشرق هلال رمضان، فلا أحد من العقلاء يقول عن الساعات التي بقيت منه في المغرب تعتبر من رمضان لأسباب:
1)-أنه لم يعهد في يوم أن يكون بعضه من شعبان وبعضه من رمضان، بالنسبة لقطر، ولا بالنسبة لقطرين.
2)-أن الزمان كما عرفه الحكماء: عرض غير قار-بتشديد الراء-أي: أنه حركة الفلك إلى أمام. لم يتوقف إلا ساعة من نهار ليوشع، كما ثبت في (صحيح البخاري) [1] ، ولا يعود إلى خلف. فإذا غربت الشمس بالمشرق يوم الخميس مثلًا، خلفت بعدها ثلاث ساعات منه في المغرب، فإذا اعتبرنا تلك الساعات من رمضان، فقد رجعنا
(1) -رواه البخاري في (صحيحه) (56 - تاب فرض الخمس، 8 - باب: قول - صلى الله عليه وسلم:(أحلت لكم الغنائم) . (6/ 345/ رقم:3124) . ورواه مختصرًا في (66 - كتاب النكاح، 59 - باب: من أحب البناء قبل الغزو. 10/ 280/ رقم:5157) . ومسلم في (صحيحه) (كتاب الجهاد والسير، باب: تحليل الغنائم،(12/ 409/ رقم:1747 - مع النووي) . وغيرهما.