فكيف يبنى حكم فقهي على أمر خيالي لا وجود له؟ وكيف ينسب القول به أو: بما يلزم عنه إلى العلماء الذين يوجبون الصيام برؤية المشرق؟ وهم أعقل وأذكى من أن ينطقوا بهذا السخف؟ فإن قال: هو لازم لقولهم، قيل له: نعم، في مخك! بحسب فهمك، أما عند العلماء فلا تلازم بينهما ولا تقارب.
الثامن: أن ذلك الاعتبار يؤدي إلى أن يكون الناس في رمضان قسمين: من لاحظ واعتبر نفسه في رمضان المشرق وجب عليه الصيام، ومن لم يلاحظ لم يجب عليه الصيام، ولم يعهد في فريضة عينية، أن تجب على شخص دون الآخر، إلا لعذر كمرض مثلًا.
فإن قيل: يجب على الشخص أن يعتبر نفسه في رمضان المشرق، كما قال صاحب الإشكال فيما مرَّ عنه. فإذا رؤي هلال رمضان بالمشرق وجب على العامل برؤيته أن يعتبر نفسه في رمضان من وقت الرؤية، قلنا: يبطلهما ما يأتي، وهو:
التاسع: أن الواجبات المطلقة تكون أسبابها أمورًا غير مقدورة للمكلف، خذ مثلًا: الصلوات الخمس أسباب وجوبها أوقات خارجة عن قدرة المكلف، كالزوال والغروب، والصيام، سببه ظهور الهلال، والزكاة سبب وجوبها [1] حولان الحول، بل: التكليف من أصله (يناط) بسبب ليس في طاقة الشخص وهو البلوغ، بخلاف الواجبات المقيدة، فإن أسبابها أفعال المكلف، لأنها إنما وجب عقوبة عليه وكفارة عنها، كالواجبات التي أوجبها الشارع على القاتل المخطئ، والمظاهر، والمفطر في رمضان عمدًا، والحانث في يمينه، والناذر نذر اللجاج [2] ، وذلك الاعتبار فعل المكلف، لا يجوز أن يكون سببًا للصيام الذي هو فريضة مطلقة.
وقد جعل الشارع ظهور الهلال لها سببًا، ولا يجوز أن نوجب ذلك الاعتبار، لأنه لم يأت بوجوبه آية ولا حديث، ولا اقتضاء قياس.
(1) -والفرق بين شروط صحة، وشروط وجوب، أن شروط الوجوب لا يجب على المكلف تحصيلها كالعقل والبلوغ، وشروط صحة يجب على المكلف تحصيلها كالوضوء وغسل النجاسة واستقبال القبلة. فشروط الوجوب ما يتوقف عليه الوجوب، وشرط صحة ما تتوقف عليه الصحة. فإذا اجتمعت وجبت، وأخرى إذا اجتمعت صحت.
(2) -نذر اللجاج: اعتبره شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-يمينًا فيه كفارة، والناذر ينذر لكي يمنع نفسه فعل الشيء أو: تركه.