والنهار، ومن خذلان صاحب الإشكال أن اخترع ذلك الاعتبار ليفسد به قول الداعين إلى صيام المغرب برؤية المشرق، فوقع به في فساد، لم يخطر على باله.
الخامس: أن الأحكام الفقهية لا تبنى على الاعتبارات المُخّية، لكن تبنى على الأسباب الشرعية. والعمل برؤية المشرق، حكم فقهي بني على سبب شرعي، وهو الاشتراك في الليل.
السادس: قرر أهل الأصول في مبحث المناسبة: (أن الوصف الذي يبنى عليه الحكم لا بد أن يكون مناسبًا له) ، بمعنى أن يترتب على انبناء الحكم عليه مصلحة يقصدها الشارع. كمظنة المشقة التي علل بها الفطر وقصر الصلاة في السفر، فإنه ترتب عليها التخفيف.
وهو مقصود للشارع. قال الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُم الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُالْعُسْرَ) [1] . وكذلك الاشتراك في الليل، مناسبة لصيام المغرب برؤية المشرق، لأنه يترتب على اتحاد المسلمين في شعائر دينهم، والاتحاد أهم مقاصد الدين بعد الإيمان.
حتى إن عمر - رضي الله عنه - لما رأى الصحابة يصلون التراويح فرادى، ساءه منظر تفرقهم، واختلافهم في القيام والركوع والجلوس والسجود. فجمعهم على أبي بن كعب - رضي الله عنه - يؤمهم.
ولما خرج مرة أخرى ووجدهم يصلون مجتمعين، سره منظر اتحادهم، وقال: (نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ) [2] وكره بعض التابعين للمصلين في جماعة، أن يتنفلوا بعد الصلاة فرادى.
(1) - سورة البقرة، الآية: (185) .
(2) -رواه مالك في: (الموطأ) (1/ 136،137) ، وعنه البخاري (4/ 203) .والفريابي (73/ 2،74/ 1 - 2) ورواه ابن أبي شيبة (2/ 91/1) نحوه دون قوله (نعمت البدعة هذه) وله عند ابن سعد (5/ 42) والفريابي طريق آخر (74/ 2) بلفظ: (إن كانت هذه بدعة لنعمت البدعة) ورجاله ثقات غير نوفل بن إياس فقال الحافظ في (التقريب) : (مقبول) يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث كما نص هو عليه في المقدمة.
واعلم انه قد شاع بين المتأخرين الاستدلال بقول عمر: (نعمت البدعة هذه) على أمرين اثنين:
الأول: إن الاجتماع في صلاة التراويح بدعة لم تكن في عهد النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وهذا خطأ فاحش لا نطيل الكلام عليه لظهوره، وحسبنا دليلًا على إبطاله الأحاديث الواردة في جمعه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-الناس في ثلاث ليال من رمضان، وإن ترك الجماعة لم يكن خشية الاقتراض.
الثاني: أن البدعة ما يمدح، وخصصوا به عموم قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (كل بدعة ضلالة) ونحوه من الأحاديث الأخرى، وهذا باطل أيضًا، فالحديث على عمومه كما هو معلوم عند أهله. وقول عمر: (نعمت البدعة هذه) لم يقصد به البدعة بمعناها الشرعي الذي هو إحداث شيء في الدين على غير المثال السابق، لما علمت أنه - رضي الله عنه - لم يحدث شيئًا بل أحيا أكثر من سنة نبوية كريمة، وإنما قصد البدعة بمعنى من معانيها اللغوية وهو الأمر الحديث الجديد الذي لم يكن معروفًا قبيل إيجاده، ومما لا شك فيه أن صلاة التراويح جماعة وراء إمام واحد لم يكن معهودًا ولا معمولًا به زمن خلافة أبي بكر وشطرًا من خلافة عمر.
فهي بهذا الاعتبار حادثة، ولكن بالنظر إلى أنها موافقة لما فعله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:فهي سنة وليست بدعة وما وصفها بالحسن إلا لذلك، وعلى هذا المعنى جرى العلماء المحققون في تفسير قول عمر هذا، فقال السبكي-عبد الوهاب- في (إشراق المصابيح في صلاة التراويح) (1/ 168) من (الفتاوى) : (قال ابن عبد البر: لم يسن عمر من ذلك إلا ما سنه رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ويحبه ويرضاه ولم يمنع من المواظبة إلا خشية أن تفرض على أمته، وكان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، فلما علم عمر ذلك من رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وعلم أن الفرائض لا يزاد فيها ولا ينقص منها بعد موته-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أقامها للناس وأحياها وأمر بها وذلك سنة أربعة عشر من الهجرة، وذلك شيء ادخره الله له وفضله به، ولم يلهمه أبا بكر، وإن كان أفضل وأشد سبقًا إلى كل خير بالجملة، ولكل واحد منهما فضائل خص بها ليست لصاحبه) .
قال السبكي: (ولو لم تكن مطلوبة لكانت بدعة مذمومة كما في(الرغائب) ليلة نصف شعبان، وأول جمعة من رجب، فكان يجب إنكارها وبطلانه (يعني بطلان إنكار جماعة التراويح) معلوم ما الدين بالضرورة). وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في فتواه ما نصه: (إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وقتال الترك لما كان مفعولاًَ بأمره-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لم يكن بدعة، وإن لم يفعل في عهده، وقول عمر - رضي الله عنه - في صلاة التراويح:(نعمت البدعة هي) : أراد البدعة اللغوية، وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى: (مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرّسُلِ) وليست بدعة شرعية، ألا ترى أن الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين لهم بإحسان أنكروا الأذان لغير الصلوات الخمس كالعيدين، وإن لم يكن فيه نهي، وكرهوا استلام الركنين الشاميين والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة قياسًا على الطواف، وكذا ما تركه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-مع قيام المقتضي فيكون تركه سنة، وفعله بدعة مذمومة، وخرج بقولنا مع قيام المقتضي في حياته إخراج اليهود وجمع المصحف، وما تركه لوجود المانع كالاجتماع للتراويح فإن المقتضي التام يدخل فيه عدم المانع).هـ من (صلاة التراويح) (ص:42/ 43/44/ 45) للشيخ الألباني-بتصرف يسير-