وحكم وضعي [1] : أي: جعلي، وهو خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سببًا [2] أو: شرطًا [3] أو: مانعًا، فالسبب هو ما يلزم من وجوده وجود الحكم ومن عدمه عدمه، كالزوال إذا وجد وجبت صلاة الظهر، وإذا لم يوجد لم يجب الظهر، والشرط هو ما يلزم من عدمه عدم الحكم ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه.
(1) -الأحكام الوضعية نسبة إلى الوضع: ومعناه عند الأصوليين:"هو ما يقتضي جعل الشيء سببًا لشيء آخر، أو: شرطًا له، أو: مانعًا منه"، وسمي هذا النوع بـ"الأحكام الوضعية"لأنها بوضع من الشارع وبجعل منه: أي: أن الشارع هو الذي جعل هذا سببًا لهذا، أو: شرطًا له، أو: مانعًا منه.
وقد سبق أن تكلم شيخنا العلامة عبد الله الغماري على النوع الأول من الأحكام، وهو:"الأحكام التكليفية"، ولمعرفة الفرق بينها وبين"الأحكام الوضعية"يقول العلامة الشنقيطي:"يفرق بينهما بفارقين ظاهرين، أن خطاب الوضع علامته أنه:"
أ-إما ألا يكون في قدرة المكلَّف أصلًا كزوال الشمس والنقاء من الحيض،
ب-أو: يكون في قدرته ولا يؤمر به كالنصاب للزكاة، والاستطاعة للحج، وعدم السفر للصوم، وخطاب التكليف علامته أمران:
1 -أن يكون في قدرة المكلف،
2 -أن يؤمر به فعلًا كالوضوء للصلاة، أو: تركًا كسائر المنهيات، ولذا فخطاب الوضع أعم من خطاب التكليف، لأن كل تكليف معه خطاب وضع إذ لا يخلو من شرط أو: مانع مثلًا، وقد يوجد خطاب الوضع حيث لا تكليف كلزوم غرم المتلفات، وأرش الجنايات لغير المكلف كالصبي، وقيل: بينهم عموم وخصوص من وجه واعتمده القرافي في:"الفروق""1/ 161".
انظر:"مذكرة الشنقيطي""40/ 41"، و"أصول الفقه"لأبي زهرة"24"، و"القواعد السنية""1/ 119"لمحمد بن الحسين المالكي، و"الإبهاج""1/ 64"، و"قواعد الأصول ومعاقد الفصول""ص:32".
(2) -السبب لغة: هو كل ما توصلت به إلى شيء، ومنه قول زهير:
ومن هاب أسباب المنايا يَنَلنَهُ * ولو رام أسباب السماء بسلم
وفي الاصطلاح: ما جعله الشرع معرفًا لحكم شرعي، بحيث يوجد هذا الحكم عند وجوده، وينعدم عند عدمه ... وقد استعمل الفقهاء السبب فيما يُقابل المباشَرة كالحفر مع التردية-وذلك لأن الحافر يسمى صاحب سبب، والمردي الذي هو المباشر صاحب علة، وكمن قدم طعام شخص إلى آخر فأكله، فالمقدم متسبب، والآكل مباشر، والقاعدة عند الفقهاء تقديم المباشر في الضمان، فإن تعذر تضمينه لموت أو: فلس ضُمِّن المتسبب، ولا يخلو تضمينه من خلاف-وفي علة العلة في القتل للموت-وذلك لأن الرمي علة في إصابة السهم لبدن الشخص المرمي وإصابته إياه علة لقتله، فالرمي علة لعلة القتل تسمى سببًا-وفي العلة بدون شرطها كالنصاب بدون الحول، وفي العلة نفسها كالقتل للقصاص-أي: أن من الفقهاء من ذهب إلى إطلاق السبب على العلة الشرعية نفسها، وعلى ذلك أكثر أهل الأصول، وذهب بعضهم إلى التفريق بين العلة، والسبب، فالسبب عندهم يطلق على ما لا يكون بينه وبين الحكم مناسبة، والعلة على ما عرفت مناسبته للحكم، وقد مثلوا لذلك بالوقت فهو: سبب لوجوب الصلاة، ولا يكون الإسكار من حيث كونه علة للتحريم سببًا، وذلك للمناسبة بين الإسكار، والتحريم، والخلاف بين الفريقين اصطلاحي لفظي-ولذلك سموا الوصف الواحد من أوصاف العلة جزء السبب ...
انظر:"مذكرة الشنقيطي""42/ 43"، و"أصول الفقه"لأبي زهرة"53"، و"الوجيز في أصول الفقه""58"، و"الموجز في أصول الفقه""56"، و"قواعد الأصول ومعاقد الفصول""ص:32/ 33".
(3) -ومما قلت في تعريف الشرط وبعض أنواعه في: (الإتحاف .. ) (ص:1240) : الشرط لغة: العلامة، ومنه في التنزيل:"فقد جاء أشراطها""سورة محمد، رقم الآية:18"وإلزام الشيء والتزامه، واصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، لأن المتطهر قد لا يصلي، بخلاف عدم الطهارة، فإنه يلزم منه عدم الصلاة الشرعية. ويقال: ما يتم به الشيء وهو خارج عنه.
وأشار إلى هذا بقوله:
الشرطُ في لغتنا العلامهْ # فكنْ لبيبًا تَغْنَمِ السلامهْ
أمَّا اصطلاحًا يا أخي ما يلزَمُ # مِنْ عَدَمِهْ على العمومِ العَدَمُ
وليس يَلْزَمْ من وجودٍ أو: عَدَمْ # لِذَاتِهِ كَمْ مِنْ فَوائدْ تُغتَنَمْ
أقسامُه ثلاثةٌ شَرْطٌ وَجَبْ # وشرطُ صحةٍ بها الأمرُ احْتَسَبْ
وشرطُ صحةٍ وجوبِ ومعا # كِلاهما على البيان أَجْمَعَا
شرطٌ وَجَبْ عُدَّ البلوغ وأضِفْ # إمكان فعلٍ من علومٍ فاغْتَرِفْ
كذا دخول الوقت للصلاة # حضَرْ وضيقُ الوقت للفواتِ
دخولُه قيل سباب الواجب # لا شرط فاحذرْ من مهاوي الرِّيَّبِ
إلى آخر ما ذكرت من الشروط في كتابي: (ذاكرة سجين مكافح) (4/ 155/156) .