فساد. فكتبت هذه الرسالة، وأصبت مقاتل إشكاله بهذه العجالة، ولم أقصد بتحريرها أن أرده إلى حظيرة الصواب، أو: أضمه إلى فئة المنصفين أولي الألباب، لأنه يرى الرجوع عن رأيه منقصة وعيبًا، خطأً كان الرأي أو: صوابًا، وإنما قصدت أن أنقذ من انخدعوا به إن كان عندهم بعض من علم، أو: بقية من إنصاف، حتى يعودوا إلى جادة الطريق، ويدعوه وما اختار من الانحراف [1] والله الموفق [2] الهادي [3] ، إليه فوضت أمري وعليه اعتمادي
(1) -وفي مثل هذا يقول شيخنا عبد الله بن الصديق في كتابه: (القول الجزل فيما لا يعذر فيه بالجهل) (ص:11) : (الخامس عشر: جهل وزير الأوقاف المغربي الذي قدمت له إدارة نظارة طنجة شهادة خمسين مسلمًا من جهات مختلفة بأنهم رأوا هلال رمضان، وهذا تواتر، ومع ذلك أهملها وتحمل إثم فطر الشعب ليوم من رمضان، بدعوى أن القاضي لم يزكها، ولو كان عنده علم وإخلاص، لعرض تلك الشهادة على أحد قضاة العاصمة فيزكيها على أن تلك الشهادة مستفيضة، وهي لا تحتاج إلى قاض أو تعديله، كما في(شرح الزرقاني على المختصر) . ولكن ذلك الوزير جاهل مخذول).
-وحينها صام الناس ثمانية وعشرين يومًا-وكم للرجل من أذلال وقواصم وبواقر يستعيذ منها إبليس، ففساده أخطر وأعظم من فساد الرهط التسعة من قوم صالح، أعطي مقولًا، وعدِم معقولًا، أعطى للإسلام اللفاء، وللطغاة الوفاء وصدق من قال:
ليبك على الإسلام من كان باكيًا * فقد مُسخ الأشياخ مسخًا يهوديًا
والمغاربة دائمًا يصومون شهرًا ناقصًا. وغيرهم يصوم شهرًا كاملًا. ومرة: صاموا (28 يومًا!!!!!) ، ولعل هذا من الحداثة-أكرم الله السامعين- التي يدعون إليها في إعلامهم الفاسد (والقتاة الثانية نموذجًا) .
إذًا ماذا عن اليوم الذي أفطروه؟ الجواب عند الجصاص: (وإذا صام أهل مصر للرؤية تسعة وعشرين يومًا وأهل مصر آخر للروية ثلاثين يومًا فقد أوجب أصحابنا على الذين صاموا تسعة وعشرين يومًا قضاء يوم، لقوله تعالى:(ولتكملوا العدة) ، فأوجب إكمال عدة الشهر، وقد ثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون يومًا، فوجب على هؤلاء إكمالها لأن الله لم يخص بإكمال العدة قومًا دون قوم، فهو عام في المخاطَبين).
قال الخطابي في (معالم السنن) : (قال ابن المنذر: قال أكثر الفقهاء: إذا ثبت بخبر الناس أن أهل بلد من البلدان قد رأوه قبلهم فعليهم قضاء ما أفطروه، وهو قول أصحاب الرأي يعني الحنفية، ومالك، وإليه ذهب الشافعي وأحمد ... إذا رؤي ببلدة لزم أهل جميع البلاد الصوم) . انظر: (توجيه الأنظار) (ص:30/ 79) . ط دار البيارق.
(2) -والتوفيق لغة هو: التسديد والإصابة في الشيء، واصطلاحًا هو: جعل الله تعالى فعل عباده موافقًا لما يحبه ويرضاه. والتوفيق عزيز ومع عزته لم يذكر في القرآن إلا مرة واحدة. عند قوله تعالى: (وما توفيقي إلا بالله) .
(3) -الهداية أنواع: منها: هداية التوفيق، وهي المقصودة هنا، وهداية الإرشاد، وهداية الحواس، وهداية الوجدان، وهداية الحسبان، وزاد بعضهم: هداية التعريف، وهداية التوصيف، وهداية التشريف، وهداية التلطيف، فالهداية والضلالة لله خلقًا وإيجادًا وللعباد كسبًا وفعالًا.
قال ابن عاشور في (التحرير والتنوير) (1/ 188/189) : (وقد قيل: إن حقيقة الهداية: الدلالة على الطريق للوصول إلى المكان المقصود. فالهادي هو العارف بالطرق وفي حديث الهجرة:(إن أبا بكر استأجر رجلًا من بني الديل هاديًا خِرِّيتًا) ... والهداية في اصطلاح الشرع حين تسند إلى الله تعالى هي الدلالة على ما يرضي الله من فعل الخير ويقابلها الضلالة وهي التغرير ... والهداية أنواع تندرج كثرتها تحت أربعة أجناس مترتبة:
1 -الأول إعطاء القوى المحركة والمدركة التي بها يكون الاهتداء إلى انتظام وجود ذات الإنسان، ويندرج تحتها أنواع تبتدئ من إلهام الصبي التقام الثدي والبكاء عند الألم إلى غاية الوجدانِيَّات التي بها يدفع عن نفسه كإدراك هول المهلكات وبشاعة المنافرات، ويجلب مصالحه الوجودية كطلب الطعام والماء وذودِ الحشرات عنه وحك الجلد واختلاج العين عند مرور ما يؤذي تجاهها، ونهايتها أحوال الفكر وهو حركة النفس في المعقولات أعني ملاحظة المعقول لتحصيل المجهول في البديهيات وهي القوة الناطقة التي انفرد بها الإنسان المنتزعة من العلوم المحسوسة.
2 -الثاني: نصب الأدلة الفارقة بين الحق والباطل والصواب والخطأ، وهي هداية العلوم النظرية.
3 -الثالث الهداية إلى ما قد تقْصُر عنه الأدلة أو يفضي إعمالها في مثله إلى مشقة وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب وموازين القسط وإليها الإشارة بقوله تعالى في شأن الرسل (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) .
الرابع أقصى أجناس الهداية وهي كشف الحقائق العُليا وإظهار أسرار المعاني التي حارت فيها ألباب العقلاء إما بواسطة الوحي والإلهام الصحيح أو: التجليات، وقد سمى الله تعالى هذا هدىً حين أضافه للأنبياء فقال: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) . وللعلامة ابن القيم في (مدارج السالكين) بحث طويل في الهداية وأنواعها. قلت: والمشهور منها هدايتان: هداية التوفيق وهي من خصائص الله، وهداية الإرشاد وهي للأنبياء وورثتهم والأدلة فيهما كثيرة أعرضنا عنها اختصارًا.