السياسية، ودعا إليه مؤتمر علماء المسلمين المنعقد بالقاهرة المعزية [1] ، وهو مع ذلك مذهب المالكية والحنفية، لكن شخصًا يحب العناد لأجل العناد، ويهوى الخلاف لذات الخلاف. آلمه أن يسبق أبو الفيض إلى هذه الفكرة النبيلة السامية، التي تواطأ على الدعوة إليها علماء ومثقفون من مختلف البلاد الإسلامية، ولم يستطع إبطالها بدليل، أو: تعليل، لأن كتاب: (توجيه الأنظار) محَّصَ الأدلة ونقحها، واستعرض الآراء وسبرها [2] ، ودلل وعلل، وحاجج ونافح، وقدم للقراء بحثًا محررًا، منقحًا مهذبًا، ليس فيه ثلمة [3] ولا (لوائد) أن يزيد عليه كلمة. فماذا يفعل صاحبنا المريض بالعناد والخلاف؟ لقد جهد جهده، وأكل ذهنه، وعصر مخه واستلهم رئيه، ثم طلع بما سماه إشكالًا.
(1) -بل: عدة مؤتمرات عُقدت لتناقش هذه المسألة لكنها بدئت عقيمة وانتهت عقيمة، مرة في مصر، ومرة في الكويت، ومرة في الحجاز، ومرة في ليبيا، ومرة في تركيا، ومرة في مراكش، وفاس. لكن بدون جدوى، بقي الأمر على ما هو عليه!!. بل: علمنا أن العلماء كلهم كانوا يقولون: -بالإجماع-بتوحيد المسلمين في الصوم والإفطار-ما عدا مكي الناصري فكان يقول الحق معكم: لكن حتى استشير الحسن الثاني!! -.
(2) -وقد قلت في كتابي: (شفاء التبريح في شرح ألفاظ التجريح) (ص:773) : يقال: سبر يسبر المعاني بالمسبار، وهو: شيء من فتيل، أو: آلة توضع في الجرح ليتعرف غوره، وقد توسع فيها حتى شملت كل ما يتعرف به على الخفي الغامض: داءً أو: غيره. ومرة قلت في: (إتحاف الطالب ... ) (ص:314) : (وقد وضعوا المسبار ليعرفوا آخر الغور) .
(3) -هذه المبالغة لا تكون إلا لكتاب الله، أما (توجيه الأنظار) ، فلو لم يكن فيه من المصائب والطامات والبواقر والقوادح إلا قوله:(بل: يحتمل أنه لم يقبل رؤية معاوية وحكمه لأنه باغ لم تثبت إمامته شرعًا ولم تثبت عدالته بما سفك من الدماء، وهتك من حرمة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وحرمات الشريعة، حتى أخبر النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أنه من أهل النار، وأنه يموت على غير ملة الإسلام، وأمر بقتله إذا رؤي فوق منبره وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الواردة فيه ...
لاسيما وقد ثبت عن الشوام في عصر معاوية تمالؤهم على الكذب وشهادة الزور كما وقع في قصتهم مع صاحب الجمل: حيث دخل رجل من أهل الكوفة دمشق وهو على بعير له، وذلك حين منصرفهم عن صفين فتعلق به رجل من الشام فقال: هذه ناقتي أخذت مني بصفين، فارتفع أمرهما إلى معاوية وأقام الشامي خمسين رجلًا بينة يشهدون له أنها ناقته، فقضى معاوية على الكوفي وأمره بتسليم الناقة إليه، فقال الكوفي: أصلحك الله إنه جمل وليس بناقة، فقال معاوية: هذا حكم قد مضى. ودس إلى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره وسأله عن بعيره فدفعه إليه وقال له: أبلغ عليًا أني أقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل!!
وكذلك اختبر طاعتهم له فصلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة يوم الأربعاء فوافقوه على ذلك، وكان يأمرهم أن يقوموا في المحافل فيروون أحاديث يلقنهم إياها ويدعون أنهم سمعوها من الصحابة وهي في فضل الشام، وأنهم على الحق، وفي ذم أهل العراق وأنهم على الباطل، ولذلك كثرت الأحاديث الموضوعة في فضل الشام مع أنها مروية برجال الصحيح، لأنها مكذوبة من الأصل تحسينًا من الحفاظ للظن بمعاوية وحزبه). لكفى. انظر: (توجيه الأنظار) (ص:122/ 123) .
قال فضيلة شيخنا العلامة محمد بوخبزة معلقًا على هراء أحمد بن الصديق في (جؤنته) (1/ 5) : و (الطريف أن المؤلف بعد هجرته من المغرب وزيارته لسوريا وإكرام أهلها له، غَيَّرَ رأيَه وكتب إلى أخيه الأستاذ حسن يخبره بذلك، كما أخبرني بذلك) ، فإذًا فأحمد بن الصديق نسخ تضعيفه لأحاديث فضائل الشام بإكرام أهل الشام له، فانظروا إلى الهوى والطمع ما ذا يصنع؟ فالطمع هو الذي يصحح ويضعف عند الشيعة. وقال عنه أيضًا:(وإن الشيخ أحمد بن الصديق أستاذي وصهري. وقد خالطته مدة، وقد كان نسيجَ وحده-رحمه الله-في علمه وأخلاقه وسلوكه بالمغرب. فهو حافظ مطلع ذو باع طويل في علوم الحديث. وهو سلفي في العقيدة والاتباع ومحاربة التقليد والتمذهب، خلفي في بعض ذلك. متصوف غارق في وحدة الوجود شاذلي درقاوي شيخ طريقة متميزة بمدينة طنجة. وهو في نفس الوقت متشيع يقف على عتبة الرفض. فكان في أحواله وغرابة سلوكه يشبه الطوفي الحنبلي القائل:
حنبلي رافضي أشعري - إنها والله إحدى الكُبَر).
انظر: مقدمة الشيخ حمدي السلفي لكتاب (فتح الوهاب لتخريج مسند الشهاب) (ص:5) . كما في مقدمة (توجيه الأنظار) (ص:17) . لأخينا الفاضل العلامة حسن الكتاني.