ومن الأخبار في هذا الشأن ما ذكره سيف بن عمر التميمي في كتاب"الردة والفتوح"عن شيوخه، قال: ورفع إلى المهاجر ـ يعني المهاجر بن أبي أمية، وكان أميرًا على اليمامة ونواحيها ـ امرأتان مغنيتان غَنَّت إحداهما بشَتْم النبي صلى الله عليه وسلم، فَقَطع يدها، ونَزَع ثَنيتها، وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يَدَها، ونزع ثنيتها، فكتب أبو بكر: بَلَغني الذي سرت به في المرأة التي تغنَّت وزمرت بشتم النبي صلى الله عليه وسلم، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بِقَتْلِهَا؛ لأن حدَّ الأنبياء ليس يشبه الحدود؛ فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتدٌّ أو معاهدٍ فهو محارب غادر .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وهذا يوافق ما تقدم عنه أن مَن شَتم النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتله، وليس ذلك لأحد بعده، وهو صريح في وجوب قَتْل من سَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم ومعاهد وإن كان امرأة، وأنه يُقْتَل بدون استتابة، بخلاف من سبَّ الناس، وأن قتله حد للأنبياء كما أن جلدَ من سَب غيرهم حدٌّ له، وإنما لم يأمر أبو بكر بقَتْل تلك المرأة لأن المهاجِرَ سبق منه فيها حدٌّ باجتهاده، فكَرِهَ أبو بكر أن يجمع عليها حَدَّيْن، مع أنه لعلها أسلمت أو تابت فقبل المهاجر توبتها قبل كتاب أبي بكر، وهو محل اجتهاد سبق منه فيه حكم فلم يغيره أبو بكر؛ لأن الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد، وكلامه يدلُّ على أنه إنما منعه من قتلها ما سبق من المهاجر".