الصفحة 36 من 157

الوجه الثاني من الاستدلال به: أن النَّفَرَ الخمسة الذين قَتَلوه من المسلمين: محمد بن مَسْلمة، وأبا نائلة، وعباد بن بشر، و الحارث بن أوس، وأبا عبس بن جبر، قد أذِنَ لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يغتالوه ويخدعوه بكلام يُظْهرُون به أنهم قد آمنوا ووافقوه، ثم يقتلوه، ومن المعلوم أن من أظهر لكافر أمانًا لم يجز قتله بعد ذلك لأَجل الكفر، بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم آمَنَه وكلمه على ذلك صار مستأمنًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رَواه عنه عمرو بن الحَمِق:"مَن آمنَ رَجُلًا عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ فَأَنَا مِنْهُ بَرِئ وَإِنَ كَانَ المَقْتُولُ كَافِرًا"رواه الإمام أحمد و ابن ماجه .. وهذا الكلام الذي كلموه به صار مستأمنًا، وأدنى أحواله أن يكون له شبهة أمان، ومثل ذلك لا يجوز قتله بمجرد الكفر؛ فإن الأمان يعصم دم الحربي ويصير مستأمنًا بأقل من هذا كما هو معروف في مواضعه، وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذاه للهِ ورسوله، ومن حَلَّ قتله بهذا الوجه لم يعصم دمه بأمانٍ و لا بعهد كما لو آمن المسلم مَن وجب قتله لأجل قطع الطريق و محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد الموجب للقتل، أو آمن من وجب قتله لأجل زِناه، أو آمن مَن وجب قتله لأجل الردة أو لأجل ترك أركان الإسلام ونحو ذلك، و لا يجوز أن يَعقِدَ له عقد عهد، سواء كان عقد أمان أو عقد هدنة أو عقد ذمة؛ لأن قتله حد من الحدود، وليس قتله لمجرد كونه كافرًا حربيًا، وأما الإغارة والبيات فليس هناك قول أو فعل صاروا به آمنين، و لا اعتقدوا أنهم قد أومنوا، بخلاف قصة كعب بن الأشرف؛ فثبت أن أذى الله ورسوله بالهجاء ونحوه لا يُحْقنَ معه الدم بالأمان، فَلأَنَ لا يُحْقَنَ معه بالذمة المؤَبَّدة و الهدنة المؤقتة بطريق الأَولى، فإن الأمان يجوز عقده لكل كافر، ويعقده كل مسلم، ولا يشترط على المستأمَن شيء من الشروط، والذمة لا يعقدها إلا الإمام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت