الصفحة 17 من 21

"والوحي يعاضد العقل ويؤكد حكمه ويجعله موثوقًا فيما يصل العقل إلى معرفته فيكونا دليلين على مدلول واحد يرشد العقل ويهديه فيما لا يستقل بمعرفته مثل المعاد ويكشف عن وجود الأشياء التي لا يدرك العقل كنهها ومنهجها".

وقد التقى الوحي والعقل في القرآن لأول مرة في الفكر الإنساني والإسلام وأهله يؤمنون بأن المعرفة الإنسانية ليست قاصرة على معطيات الحس، وعلى حد تعبير الشيخ محمد عبده وقد نقلناه عنه"قد يعرص الدين شيئًا يتجاوز حدود الفهم، ولكن لا يعرض شيئًا يتجاوز حدود الإدراك مطلقًا".

5-ولقد امتدت النظرية الوافدة في البطولة والوحي والنبوة إلى القول بأن القرآن انطباع في نفس محمد صلى الله عليه وسلم.

وهو ليس كذلك أبدًا؛ فهناك فارق واضح وعميق بين كلام النبي محمد ونظم القرآن الكريم يعرفه أهل البيان واللغة ويعرفون أبعاده ومداه.

وليس صحيحًا أن القرآن فيض من العقل الباطن في محاولة دعوة الإشادة بعبقرية محمد وألمعيته وصفاء نفسه، ولا ريب أن لمحمد كل صفات السمو النفسي، ولكنه وصفه بالنبي نسبة إلى الوحي الإلهي هي أكبر معطياته.

ومثل هذا القول إنما يرمي إلى محاولة خادعة لقطع الصلة بين المسلمين والقرآن؛ فإنه إن كان كلام محمد كان من عمل البشر.

وبذلك يفقد معناه الأسمى وجلاله الأعظم ويفقد"ثباته"الذي يعطيه تلك القدرة الضخمة على أن يكون الأساس الذي يرتبط به كل فكر والقاعدة التي يمتد عليها كل بناء والإطار الذي تجري فيه كل حركة، وهناك أدلة كثيرة تدحض هذه الدعوة، وأبسطها"أن محمدًا كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، فمن الذي أطلعه على أن ما في القرآن مصدق لما في التوراة""وكان علمه بشئون قومه لا يزيد على علم غيره"فمن الذي أطلعه على تاريخ الأمم وقصص الأولين.

(وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطِلون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت