…الحمدلله المُطَّلعِ على ظاهر الأمر ومكنونِه ، العالم بسرِّ العبد وجهرِه وظنونهِ ، المُتفرِّدِ بإنشاء العالم وإبداع فنُونِه ، المُدبِّرِ لكلٍّ منهم في حركته وسكونِه. أحسن كُلَّ شيءٍ خلق ، وفتق الأسماع وشقَّ الحَدَق ، وعلم عدد ما في الشَّجر من ورق ، في أعواده وغُصونِه . أحصى الخلائِق عددًا ، وابتلاهم ليجزيهم غدا ، فمنهم السَّابق والظَّالم ومَنْ كان مقتصدا ، هذا خلق الله فأرُوني ماذا خلق الذين من دُونِه .
…أحمده على جوده وإحسانه ، وابتلائه وامتحانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وسلطانه ، والذين ظلموا لا يعجزونه .
وأشهد أنَّ محمدًا عبُده ورسولُه المُؤيَّدُ ببرهانه ، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر في جميع شانه ، وعلى عمر مقلقِ كسرى في إيوانه ، وعلى عثمان ساهر ليله في قرآنه ، وعلى عليٍّ قالعِ باب خيبر ومُزلْزلِ حصونه . والرِّضا عن آله وأصحابه الذين كانوا لسماء سنَّته عَمَدَا ، ليوثِ العِدا ، وغيوثِ النَّدى ، وعن أصحاب الحق الذين ينصرونه . أما بعدُ:
…"فإنَّ الدُّنيا ظهرٌ قلِق ، ومتاعٌ خلِق ، وسرابٌ مُؤْتلِق ؛ هذا يُعِدُّ الجميلَ فيُصرع ، وهذا يَؤُمُّ السَّراب فيُخْدع ، وعندالله المُلْتقى والمجْمع" (1) . عيش الكريم بها مُنَغَّص ، ويد الخُطُوب فيها تتربَّص ، ورأس الفتنة على خافقيها مُنْتصّ . فما أعظم مكايدها ! وما أكثر مصايدها ! .
(1) - تضمينٌ - بتصرف - من: ( ريحانة الكُتَّاب ، ونُجعة المُنتاب . لذي الوزارتين) ، [1/26] .