…الوجه السابع: أنه لا يلزم كلَّ من رُمي بعقيدة فاسدة أن تثبت عليه تلك العقيدة ؛ فهذه دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - رُميت - ظلمًا وجورًا - بأنها عقيدة الخوارج ، حتى قال الشيخ عبدالله بن الإمام محمد بن عبدالوهاب - رحمهما الله تعالى - مدافعًا عن دعوتهم، ومقررًا مذهبهم في أصول الدين:"فأخبرناه بأن مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة ، وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم والأعلم والأحكم" (1) . وعلى هذا لا يلزم شيخنا ما يدعيه مخالفنا من نسبة عقائد فاسدة إليه لا تصح ؛ لا سيما بعدما رأيت من انتساب واضح إلى عقيدة السلف، وتنزّهٍ بريء من البدع وأصحابها ! .
…الوجه الثامن: خلوُّ حجَّة الخصم من إثبات دليل معتبر على صحة دعواه، واعتماده في ذلك كله على مجرد النفي والتكذيب ، وهذا باطل . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -:"فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب ، لا في الإثبات ؛ لأن إحاطة الإنسان بما يُثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه" (2) ، (3)
(1) - انظر: ( الهديَّة السّنية . لابن سحمان النجدي ) ، [28] .
(2) - انظر: ( اقتضاء الصراط المستقيم ) ، [1/124] .
(3) - وقد كان عُمْدةُ شُبْهتهم ، وكبيرُ حُجَّتهم: قالاتٍ سُجِّلت في شريطٍ مُهنْدس ، مُلفَّق مُدلَّس . اشْتبهت فيه الحقائِق ، فطار بِشُبههِ كلُّ مُنافق . ولكن: عقب اللَّيل الغاسق ، فجْرٌ صادق .
…وكنْت قد عزمْت على أنْ أقف في هذه الرِّسالة مع هذا الشَّريط المبْتور وقفات: تكْشف السِّتار عن أشياء غامضة ، وتصْهر بنار الحُجَّة شوائِب شُبهٍ رابضة . ولكن حال دون ذلك - والحمدلله - نُزولُ المرض ، وضيق الزَّمن . وكلاهما لا يُعينان على الخوْض في مثل هذا الرد ؛ إذ إِنَّه يسْتدعي سعة الوقت وقوَّة الجهد . فأودعنا هذا العمل في أحْضان المُسْتقبَل ؛ لعلَّه يخْرج في جُزْءٍ مُسمَّىً بـ: ( الصَّارم المنْشور على الشريط المبتور ) .
ولكن لمَّا كان لا بُدَّ من الإشارة إليه والتَّنْبيه عليه ، غيْر ناسين أو مُتناسين فائِدة ما جاء في: ( كشف التَّدليس ) ، و: ( ذيله ) ، وما إليه . لمَّا كان ذلك كذلك ؛ ذيَّلنا هذا المبحث بمُلْحقين مُهمَّين:
الملحق الأول: حوارٌ هاتفي مع الشيخ صالح - حفظه الله تعالى - حول هذه الفتنة.
وقد تعمدتُّ إيراد هذا المُلْحق ؛ حتَّى أسْتطيعَ أن أُقْنع كُلَّ ذي عقْلٍ ولو عقْل سفيه، ببراءة الشَّيخ ممَّا قيل فيه ؛ إذ إن النصَّ مُقدَّم على الظاهر ، والمُجملَ يَرْجِعُ إلى المُفصَّل ، والمُتأخِّرَ يقْضي على المُتقدِّم . ولا يأْبى مثلَ هذا الإِلْزام إلاَّ جاحدٌ مُعاند ؛ إذا دُعي إلى الحقِّ لوَّى رأْسًا ، وولَّى عكْسًا . ولكن:
…عليك في البحث أن تُبْدي غوامضه * وما عليك إذا لم تفهم البقرُ
الملحق الثاني: ما قاله الشَّيخ صالح - حفظه الله تعالى - في بعض المسائل المُدْلهمَّة.
…إذ إنَّ المُخالف قوَّل الشَّيخ مالم يتقوَّلْه ، وألزمه بما لم يلتزمْه ؛ خالطًا بين مقام الفتوى وبين مقام التدريس ، مُنزِّلًا الحكاية منزلة التَّقرير ؛ فأصْدر الاتِّهام بمُجرَّد أوهام .
…وقد ضمَّنْت هذا المُلْحق قالاتٍ وترْجيحاتٍ لشيخنا ، في مسائِل أُثيرت عليه ونُسبت إليه ؛ حتَّى يظْهرَ الحق ، ويضْمحلَّ الباطلُ ويزْهق .
…ومن عجيب ما رأيت: أنِّي كنت كُلَّما سمعت عنهم مأخذًا لهم على شيخنا ، فتَّشْتُ في كتبه ، وسألتُ تلامذته . ودائمًا تكون نتيجة البحث على العكْس ممَّا يذْكرون ؛ فاكْتفيت بما جمعت ، واستْغنيت عمَّا تركْت ، وقولَ الشاعر أنشدت:
…ولو أنَّ كُلَّ كلْبٍ عوى ألْقمته حجرًا * لأصْبح الصَّخْرُ: مثقالٌ بدينارِ !