لمَّا أطلَّت هذه الفتنة برأسها ، وكشَّرت عن أنياب بأْسها: انْزعج كُلُّ مُحبٍّ لهذا العالم ، وضاق صدر كُلِّ مُتَّبع ومُواءِم ، ولحقنا من ذلك همٌّ دائِم وغم مُلازم ؛ فلم تطبْ عينٌ بالكرى ، ولم تستلذ نفسٌ بالمُنى ؛ حتَّى منَّ اللهُ علينا برحمةٍ منه ومكارم ، فرأينا فيما يرى النَّائم: أن شيخنا - نفع الله بعلمه ، ومتَّع به - كان جالسًا على كُرسيِّ تدْريسه - كما هي حالُه في حلِّه وترحاله - وكان منشغلًا بالشرح والتَّوضيح ، غير أنَّ الذي أخذ بمجامع النَّظر: أن رأيتُ قلمًا أحمر في جَيْب ثوبه ، هذا القلم هو القلم الذي كُنت أكتب به معه ، فاستقرَّ في الفؤاد: أنْ لعلَّ اللهَ يُشرِّفني بنشر علمه ونصْر دعوته ، والذي قادني إلى مثل هذا التأويل مجموعُ شيئين:
الشيء الأول: مكان القلم ؛ إذ كان في الجيب وعلى القلب ، ومثل هذا المكان يُفيد الملك والتمكُّن من صاحبهما .
الشيء الثاني: نوع القلم ؛ إذ كان قلمًا أحمر ، والعرف دالٌّ على استعماله في التَّصويب والتَّخطيء ، ومثل هذا يُفيد المُناصرة والتعزير . فالحمدلله على ما أتْحف وأنْعم ، وشرَّف وكرَّم ! .
…ولا يُزعجنَّك - أيُّها الأخ الصَّالح - هذا الصَّنيع ، فقد جاء مثلُه عن غير ما عالمٍ ظليع:
…فها هو الإمام أبو إسحاق الشاطبيُّ - يرحمه الله - سمَّى كتابه - الذي كتبه في مقاصد الشريعة - بـ: ( عنوان التعريف بأسرار التكليف ) ، ثم عدل عن هذه السِّيماء لرؤيا رآها أحد الشُّيوخ الفُضلاء ؛ فسمَّاه - وقد كان كتابًا جامعًا نافعًا - بـ: ( كتاب الموافقات ) (1) .
(1) انظر: ( الموافقات في أصول الشريعة ) ، [1/17] .